أزمة المناهج في العلوم الاجتماعية:(علم الاجتماع نموذجا.)


أزمة المناهج في العلوم الاجتماعية:(علم الاجتماع نموذجا.)
بقلم:ذ.عبد السلام بلمونتي.




إن تطور العلم مرتبط بتطور منهجه، وهي حقيقة يتفق عليها كل المنشغلين و المهتمين بالمنهج العلمي، ومنهم السوسيولوجيون بطبيعة الحال، وثمة حقيقة أخرى ندركها وهي أن علم الاجتماع منذ نشأته الأولى قد انبهر بالمنهج الوضعي واستغرق فيه، تشبها ومحاكاة بالعلوم الطبيعية، آملا الوصول لمستوى انضباطها في الرؤى النظرية، ودقتها في النتائج العملية.

فقد تأسست العلوم الاجتماعية منذ نشأتها الأولى على نموذج مستعار من العلوم الطبيعية، وذلك لكي تخلق لنفسها قاعدة صلبة من المنهج العلمي ورصيدا وافرا من الاحترام الأكاديمي. ومن ثم فقد أكد المؤسسون الأوائل لهذه العلوم على أهمية التوصل إلى القوانين العامة، وعلى تحقيق درجة عالية من الضبط أو التحكم في العالم الاجتماعي على غرار ما يحدث في العالم الطبيعي، وعلى دراسة الوقائع الاجتماعية بوصفها وقائع طبيعية.

والحقيقة أن هناك ما يشبه الإجماع بين السوسيولوجيين أن استغراق علم الاجتماع –وتورطه مبكرا- في المنهج الوضعي الكمي قد أدى إلى قصور شديد في فهم الواقع الاجتماعي بكل تعقيداته، نظرا لأن ذلك المنهج يقدم فهما سطحيا برانيا للظواهر، ولا يستطيع الوصول إلى ما يكمن خلف المعطيات الظاهرة، وهو ما ينتج فهما قاصرا - بل ومشوها وخادعا في أحيان كثيرة – للظواهر التي يتصدى العلم لدراستها.

من أجل ذلك تشكل وعي عميق لدى عدد من علماء الاجتماع -والفلاسفة أيضا- بالأزمة التي يمر بها علم الاجتماع نتيجة الإصرار على الاعتماد الدائم على المنهج الوضعي بمختلف تجلياته، ومن ثم سعت إلى تأسيس خطاب منهجي مغاير يتوافق مع طبيعة الظاهرة الاجتماعية وخصوصيتها، ويسهم بالتالي في تقديم فهم أعمق وأخصب للواقع الاجتماعي شديد الثراء والتعقيد.

وقد تنوعت معطيات ذلك الخطاب الجديد وتباينت في آلياتها، إلا أنها اتفقت على قصور الاعتماد المطلق على المنهج الوضعي – الكمي الميكانيكي- في فهم الواقع الاجتماعي، وسوف نناقش في هذا السياق بشكل موجز نموذجين يمثلان أبرز تجليات الخطاب المنهجي الجديد،وهما:

1 :منهجية التأويل (الهرمنيوطيقا) كما طرحها الألمانيان "فيلهلم ديلتاي" "وماكس فيبر".

2:المنهج الاركيولوجي الذي صاغه "ميشيل فوكو".

يشتق لفظ الهرمنيوطيقا (hermeneutics) من الفعل الإغريقي (hermeneuein) وهو فعل يدل على عملية كشف الغموض الذي يكتنف شيئا ما، أو إعلان رسالة وكشف النقاب عنها. ويشتق الفعل من أسم الإله الإغريقي هرمس (Hermes) وهو إله متعدد المواهب: فهو رسول الآلهة، وإله الحدود، وإله التجارة، وصانع القيثارة والمصفار. وتجتمع مواهب هرمس في سمتين اثنتين: الأولى: هي الوساطة بين حرفين، والثانية: هي القدرة على استخدام الحيلة في الوصول إلى الهدف. وكلاهما ضروري في عملية كشف الغموض التي يدل عليها اللفظ الإغريقي (Hermeneue) فالغموض لابد وأن يكشف من خلال وسيط، وهو يتطلب استخدام أدوات غير مألوفة كتلك التي يستخدمها هرمس.

ومن اللفظ الإغريقي اشتقت الكلمة الإنجليزية hermeneutics، والتي درج الباحثون العرب على ترجمتها بالهرمنيوطيقا. وهي وصف للجهود الفلسفية والتحليلية التي تهتم بمشكلات الفهم التأويل. وتقوم الهرمنيوطيقا على فلسفة التعمق خلف ما هو ظاهر من تعبيرات وعلامات ورموز للكشف عن المعاني الكامنة والجوانب غير المتعينة من الخبرة أو التجربة في محاولة لفهم المجهول بالمعلوم, حيث تبدأ عملية الفهم دائما من "المعلوم في تجربتنا لتنفذ إلى المجهول"، في محاولة لفهم التجربة التاريخية، فجوهر عملية التأويل هو الكشف عن ما يكمن خلف الأشياء الظاهرة من دلالات ومعاني، ومحاولة كشف الغموض البادي في الظاهر بالتعمق خلفه والكشف عن آفاق للمعاني لا ندركها من مجرد النظرة الظاهرية الخارجية.

ولقد تطورت الهرمنيوطيقا خلال القرن التاسع عشر كاتجاه فلسفي بارز في ألمانيا على يد مفكرين بارزين وهما فريدريك شلايرماخر Schleiermacherوفيلهم دلتايDilthey - ثم فيبر لاحقا- اللذان تأثرا بدوريهما بالموروث الفكري لهيردرHerder وهيجل Hegel، وكانت الفكرة المركزية التي استندت إليها الهرمنيوطيقا هي إبراز الفروق المنهجية في دراسة الظواهر التاريخية والاجتماعية من جهة، والظواهر الطبيعية من جهةأخرى.

ففيما يتعلق بدلتاي (1833 – 1911) فقد انطلق في تأسيسه للمنهج التأويلي في التفرقة بين العلوم الطبيعية والعلوم التاريخية والإنسانية، وفي الرد على الوضعيين الذين وحدوا بينهما من حيث المنهج، مثل أوجست كونت وجون ستيوارت مل. لقد رأى الوضعيون أن الخلاص الوحيد لتأخر العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية يكمن في ضرورة تطبيق نفس المنهج التجريبي للعلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية؛ سعيا للوصول إلى قوانين كلية يقينية، وتجنبا للذاتية وعدم الدقة في مجال الإنسانيات. لقد آمنوا أن كلا منهما يخضع لنفس المعايير المنهجية من الاستدلال والشرح، ورأوا أن الحقائق الاجتماعية مثلها مثل الحقائق الفيزيقية واقعية وعملية، ويمكن قياسها أيضا، وهذا ما عبر عنه جون ستيوارت مل بقوله:" إذا كان علينا أن نهرب من الفشل المحتم للعلوم الاجتماعية بمقارنتها بالتقدم المستمر للعلوم الطبيعية، فإن أملنا الوحيد يتمثل في تعميم المناهج التي أثبتت نجاحها في العلوم الطبيعية لجعلها مناسبة للاستخدام في العلوم الاجتماعية".

لقد كانت المشكلة التى تصدى لها دلتاي هي إصرار الوضعيين على تطبيق المنهج التجريبي بصرامة في دراسة الإنسان والمجتمع. "فأصحاب منحى الوقائع الخارجية والمعطيات الحسية المقيسة يقنعون بإحالة القضية بأسرها إلى النموذج القياسي الطبيعي حيث ينكرون الفروق بين العلوم الإنسانية والطبيعية، وحسب الباحث أن يلتزم بمزاولة المنهج المتفق عليه في العلوم الطبيعية؛ لأن فيه الحل الحاسم لمشكلة الموضوعية – قاعدة العلم ومحوره – التي سرعان ما يختفي شبحها، كمشكلة أمام هذا المنهج، وتذوب الأوهام الميتافيزيقية التي تكتنفها.

واستنادا لذلك، فقد حاول دلتاي أن يقيم العلوم الاجتماعية على أساس منهجي مختلف عن العلوم الطبيعية، لقد كان صارما في فلسفته ورفض الوضعية والميتافيزيقا الكانتية الجديدة. إن الفارق بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية يكمن عنده في أن مادة العلوم الاجتماعية – وهي العقول البشرية – مادة معطاة، وليست مشتقة من أي شيئ خارجها، مثل مادة العلوم الطبيعية التي هي مشتقة من الطبيعة. إن على العالم (بكسر اللام) الاجتماعي أن يجد مفتاح العالم (بفتح اللام) الاجتماعي في نفسه وليس خارجها. إن العلوم الطبيعية تبحث عن غايات مجردة، بينما تبحث العلوم الاجتماعية عن فهم آني من خلال النظر في مادتها الخام.إن الإدراك الفني والإنساني هما غاية العلوم الاجتماعية، وهذان يمكن الوصول إليهما من خلال التحديد الدقيق للقيم والمعاني التي ندرسها في عقول الفاعلين الاجتماعيين، وليس من خلال مناهج العلوم الطبيعية، وهذه هي عملية الفهم الذاتي أو التفسير، نصل إلى مثل هذا الفهم من خلال العيش مرة أخرى في الأحداث الاجتماعية.

إن الفكرة الأساسية التي انطلق منها دلتاي هي أن هناك فروقا حاسمة بين الظواهر التي تدرسها العلوم الاجتماعية، وتلك التي تدرسها العلوم الطبيعية، وبالتالي ينبغي أن يكون لكل منهما بنيته المنهجية المتميزة التي تلائم موضوع دراسته، ولاشك أن الظواهر الإنسانية أكثر تعقيدا والتباسا من الظواهر الطبيعية.

وقد تنبه مبكرا ماكس فيبر(1864-1920) متأثرا بديلتاي لأزمة المنهج الوضعي وتأثيراته السلبية على تعاطي علم الاجتماع مع الواقع الاجتماعي، وحاول تجاوز تلك الأزمة من خلال المزاوجة بين التفسير السببي والتأويل وهو ما يسميه الفهم التفسيري حيث ينبغي على الباحث أن يتعمق في فهم الظواهر بعمق وألا يستبعد في ذات الوقت التفسير السببي لها.

إن الإسهام المنهجي الذي حققه فيبر يتبدى في أنه لم ينجح فقط في تقريب شقة الخلاف بين التفسير السببي للظواهر (الذي تبناه علماء الاجتماع الأوائل) وبين الفهم التأويلي (الذي تبناه ديلتاي كمنهج للعلوم الإنسانية)، بل نجح أيضا في أن يدخل منهج الفهم إلى دائرة الأفعال الاجتماعية بعد أن كان حكرا على تأويل النصوص الدينية والفنية. لقد عرف فيبر علم الاجتماع بأنه محاولة "الفهم التأويلي للفعل الاجتماعي الذي توصلنا إلى التفسير السببي لمجراه ونتائجه". إن اتخاذ الفعل وحده للتحليل يكشف عن موقف مغاير للموقف الوضعي الذي يتخذ من الحقيقة الاجتماعية وحدة للتحليل، ويدرس الفعل من خلال الفهم الذي لم يختلف كثيرا في معناه الفيبري عن معناه عند ديلثي (الرؤية التعاطفية أو التقمص الوجداني للموقف الذي يوجد فيه الفاعل.

نستنتج مما سبق، أن الهرمنيوطيقا هي جهد سوسيولوجي مبدع يهتم بدراسة الإنسان بمدخل منهجي مغاير للمنهجيات الوضعية التقليدية، مدخل يتغلغل في عمق الفعل الإنساني، وفي قلب المشاعر الإنسانية وتجلياتها المعقدة، ويهدف استنادا إلى ذلك إلى تقديم فهم ووعي حقيقيين بالإنسان ودوره الخلاق في تشكيل واقعه وصياغة مستقبله، ولذلك فإنها تولي اهتماما بالغا بالذات الإنسانية، وآليات إبداعها وتفوقها، ولا يمكن تحقيق ذلك بالمنهجيات الوضعية التي لا تفلح في سبر أغوار الذات الإنسانية شديدة الثراء والتعقيد، وإنما يتم ذلك بمداخل منهجية مبدعة يمثل الفهم التأويلي العميق واحدا منها.

وتمثل أركيولوجيا المعرفة لدى ميشيل فوكو مدخلا منهجيا آخر متمردا على التراث المنهجي الكلاسيكي في العلوم الإنسانية، وخاصة المنهج التاريخي التقليدي الذي ثبت قصوره في فهم الواقع الإنساني والخبرة الإنسانية المعقدة.

الأركيولوجيا كما هو متعارف عليها في المعاجم هو العلم الذي يدرس الماضي البشري أساساً، ويحاول تفسيره من خلال الآثار والمعالم الحضارية المندثرة، التي يكشف عنها الحفر والتنقيب، وعادة ما يعد ذلك العلم فرعاً من فروع التاريخ أو على الأقل وثيق السلطة به، فالمضمون الواضح لمصطلح الأركيولوجيا يحيل إذاً إلى فكرة الحفر والتنقيب بحثاً عن أشياء وآثار قديمة، اندثرت بفعل الزمان، ولقد استخدم «فوكو» مصطلح الأركيولوجيا بمعنى مجازي، ويقصد به سبر الأعماق من أجل الكشف عن وقائع خفية في ميدان معين؛ لإعادة بناء حقيقة ما.

يرى «فوكو» أن المنهج الأركيولوجي يمكن الباحث من فصل أشكال الخطاب التي انطمرت من أجل الوصول إلى الحقائق المفصلية، والخطاب ليس مجموعة النصوص التي احتفظت بها حضارة ما، ولكنه مجموعة الممارسات المعرفية والسلوكية التي تنتج المعرفة المتعلقة بالجسد، والتجربة، والظواهر المختلفة، إن المنهج الأركيولوجي يكشف عن التداخل بين ما قيل في الماضي وما يمكن أن يقال عن الظواهر المختلفة.

إن الباحث الأركيولوجي من وجهة نظر «فوكو» هو الذي يستطيع التوصل إلى تلك العصور الغابرة المطمورة تحت الركام عن طريق الحفر والتعرية، فخلال قرون عديدة حصل تراكم لوقائع يغطي بعضها بعضاً -تماماً كما في علم الآثار- حيث نجد مدناً كاملة مطمورة تحت طبقات عميقة من التراب والرمل، إن على الباحث أن يقوم بعمل الأركيولوجي من أجل إزاحة الركام واكتشاف الطبقات العميقة للحقيقة التاريخية أو الواقع التاريخي.

ويعتقد «فوكو» أن الأركيولوجيا لا تسعى إلى استكشاف مظاهر الاستمرار غير المحسوس الذي يربط بطريقة اتصالية الخطابات بما يسبقها، وبما يحيط بها، وبما يلحقها، إنها لا تترصد اللحظة التي تم فيها تكوّن الخطابات، أو حدوثها بالصورة التي هي عليها، ولا حتى اللحظة التي تفقد متانة خلقتها، وتفقد من جراء ذلك ماهيتها، فكل ذلك دراسة تاريخية مباشرة، إنما تهتم الأركيولوجيا بتحديد الخطابات في خصوصيتها، وإبراز كيف أن القواعد التي تخضع لها تلك الخطابات، لا يمكن إرجاعها إلى شيء آخر، فالأركيولوجيا تتبع تلك الخطابات من خلال مظاهرها الخارجية وصورها الظاهرية، بغية الإحاطة بها بكيفية أفضل، غايتها في النهاية تحليل الفوارق والاختلافات الموجودة بين صيغ الخطاب ووجوهه.

إن الأركيولوجيا -إذا- وصف منهجي ومنظم للخطاب باعتباره موضوعاً إنها تسلم بأن خطاب المعرفة يمكن أن يدرس كظاهرة موضوعية ومستقلة، كتب في أركيولوجيا المعرفة: «لا تهدف الأركيولوجيا إلى تحديد الأفكار والتمثلات والصور والموضوعات والهواجس التي تختفي أو تظهر في الخطاب، ولكن تحليل الخطابات نفسها باعتبارها ممارسات تخضع لقواعد» وكتب في الكلمات والأشياء موضحاً بعض معالم منهجه، «... مثل هذا التحليل لا يرجع كما نرى ذلك إلى تاريخ الأفكار، ولا إلى تاريخ العلوم، إنه بالأحرى دراسة تحاول أن تهتدي وتتعرف على تلك المنطلقات التي أصبحت بفضلها المعارف والنظريات ممكنة، حسب أي فضاء تنظيمي نشأت المعرفة، وعلى أساس أي أوليات تاريخية، أمكن لأفكار معينة أن تظهر، ولعلوم أن تتأسس، ولتجارب معينة أن تنعكس في الفلسفة، ولمعقوليات أن تتكون، لكي، ربما تنحل وتتلاشى في أمد غير بعيدة.

تمثل الأركيولوجيا إذاً منهجاً مغايراً للمنهج التاريخي التقليدي، منهجاً يهدف إلى الكشف والتنقيب عن كل صور الخطاب المتعلق بالمعرفة والسلطة والجسد، في فترة زمنية محددة، لا تهدف الأركيولوجيا إلى فحص تطور الخطاب في مسارات محددة، إنما تهدف بالأحرى إلى كشف الممارسات المرتبطة بالخطاب في تلك الفترة بغض النظر عن ما سبقها من أحداث وما تلاها من نتائج.

وكخلاصة إجمالية لهذا الموضوع، يمكن القول إن الهرمنيوطيقا والأركيولوجيا تمثلان بدائل منهجية تسهم في تمكين السوسيولوجيا من سبر أغوار الواقع وفهم مختلف أبعاده، والحقيقة أن ثمة قضايا كثيرة مرتبطة بهما لا يتسع المقام لتحليلها، إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه في هذا الإطار أن الاعتماد على تلك البدائل المنهجية في دراسة مجتمعاتنا العربية – بما تتسم به من بنى اجتماعية وثقافية معقدة – سيسهم في ترسيخ تحقيق فهم أعمق لهذه المجتمعات، وهو ما لن تستطيع منهجياتنا التقليدية الكمية تحقيقه بالدقة التي نتوخاها.