"إيكو" وصندوق العجب و"شيزوفرينيا" تملكنا .. نكتٌ بليدة تزعج ولا تضحك.


"إيكو" وصندوق العجب و"شيزوفرينيا" تملكنا .. نكتٌ  بليدة تزعج ولا تضحك.
محمد بوتخريط . هولندا .


ليس من عادتي الخوض في تقويم الآخرين ، لكن حين يتعلق الأمر بالسخرية من الكرامة ويوقض فينا ذات الأمر بالتالي "شيزوفرياتنا"، فللحديث هنا يكون مكان..
فعلاً نحن أمام 'شيزوفرينيا' نفسية وربما مصلحية كذلك ..هي غريبة من نوعها لاعلاقة لها لا بالتحرر ولا الانفتاح على الآخر ولا حتى بالديمقراطية التي نتغنى بها ، ولا بالكرامة نفسها التي لا نرضى من أن تُمس فينا بسوء . بل بكميات من المصالح تم خضوعها لمنطق العلاقات الشخصية و'القرابية' في الحكم على الاشياء وفي تقديم الخدمات، كما في رسم السياسات والتوجهات.

هكذا اصبحنا من جهة نحكم على ذات الاشياء بمنطق نفس العلاقات في دورها في توجيه سياساتنا العامة،. ومن جهة، تخريب مصداقية تحكمنا في أحكامنا ومواقفنا لذات الامور .. فأصبحت احكامنا تحكمها علاقات شخصية وروابط مصلحية أو نفعية ضيقة.
إنه داء ينبغي ايجاد طريقنا للخلاص منه.

مناسبة هذا القول هو ما أبداه بعض النشطاء وأخص منهم أصدقائي من أمازيغ الريف على صفحات المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي من استياء واستغراب من التصرفات الساخرة للمسمى "الفكاهي" عبد الرحمن أوعابد، المُلقب بـ"إيكو"، والمنحدر بدوره من أصل أمازيغي، بسبب مضمون أغنيته في رأس السنة على قناة دوزيم ، حين تناول وبنوع من السخرية مهنة مول "الحانوت السوسي". (من صغري م سوفري واكل شارب ف الحانوت .. عندي سداري اوثلاجة د بولو .. مخلي الدراري ....الخ “.)
وإن كان الامر او ماشابهه لا يستحق الكثير من التوقف عنده . إلا أن بين سطور الحكاية ما ييستدعيه.. ولو قليلا !!
أول الحكاية ، عن بعض الاصدقاء و الإخوان الذين ينصبون أنفسهم قضاة في أماكن هي اصلا لامحاكمَ فيها.علما ان هؤلاء أنفسهم ، لهم أخطائهم و سقطاتهم وعثراتهم وممارساتهم بل والمخجلة أحيانا .
وثانيها ، عن هذا "البطل" الكرطوني الذي خلق كل هذه "المعمعة ".
هو شخصية لا يعرفها الكثيرون منَّا إلا من خلال الشاشة ، ولكن ما يتغاضى الآخرون من أصدقائي الطرف عنه هو أن هناك نسخ كثيرة عن هذا "الفكاهي" الكرطوني في كل عائلة أو مدينة او حي من أحيائنا الريفية .فهي تذكرنا بالعديد من فنانينا "الامازيغ" (او دعوني اقول الريفيين بحكم انتمائنا) المتمعشين من آلامنا وطبائعنا وحالتنا وحالات جداتنا وأمهاتنا وأهالينا... وهم بيننا يضحكون علينا ونضحك نحن لهم.

لماذا لا تتحدثون عن هؤلاء ، وتنتقدونهم وانتم تتعرضون يوميا إلى هجمات من السخافة والرداءة من طرف أناس من ريفنا العزيز يسمون أنفسهم "فنانون كوميديون" ، يطلون علينا بكل وقاحة وجرأة ليقدموا لنا أطباقا من السخافة والتفاهات .. دخيلة مؤلمة ، يراد بها شل المجتمع الامازيغي في كل الاتجاهات . هم من هنا ومن هناك ومن هنالك ، امازيغيون ريفيون .. بعضهم هنا في هولندا وبعضهم هناك في الريف ..
هو حال بعض فنانينا إن لم اقل جلهم وأقصد طبعا من هم الان متواجدون على "الساحة" .. وهذا التواجد بعينه يؤكد الموقف كله.
فبالرغم من المساومة الواضحة على مستوى الإبداع في وصلاتهم الفكاهية ،"فالفكاهة" المستخدمة فيها تصل للاسف وإن بدرجات مختلفة إلى المتلقي،لأن الفكاهة هنا تعتمد على مبدأ ، قليلا ما لا ينجح، وهو: "لنتعرى ولنضحك على أهلنا وأنفسنا، كي يضحك الناس علينا".

حضرت أعمالا كثيرة لفنانين من الريف منهم من ُلد هنا ومنهم فقط من ترعرع هنا .. ومنهم من استُقدم من الريف ، وأكاد أجزم ان جلهم يستخدمون ذات المبدأ .. منهم من يُضحك الناس على جدته في جبال الريف .. ومنهم من يُضحك الناس على والديه الذين لا يتقنون اللغة الهولندية.. ومنهم من يُضحك الناس علينا بوصفنا ارهابيين تكفيريين مجرمين ... ومنهم من يتخذ فقراء ومهمشي حيِّه شخصيات ومواضيع للسخرية في عروضه وجولاته.. وهلم سخرية وجراً.
وهنا يُطِل التساؤل المحير .هل تقتصر قدرة هؤلاء على إثارة الضحك فقط في هذه المساحة الضيقة من التصرفات الغبية !!؟
ليأتي الجواب بـ : نعم ، لاننا نحن من يضحك ويصفق...وإن بنفاق .

أيها الاصدقاء -خاصة الفايسبوكيون منهم - الذين لا يكفون عن البكاء على الثقافة الامازيغية .قولوا لي فقط ما الذي تفعلونه لصالحها،لا تقولوا لي إنكم تنتقدون ،فالجميع ينتقد، لا تقولوا لي إنكم تصرخون، فالكل يصرخ . بل قولوا لي ما انخراطكم في المجتمع الامازيغي سياسيا واقتصاديا و ثقافيا و..؟
ما حجم مساهماتكم في خدمة الانسان الامازيغي غير الكلام ؟
من السهل جدا اتهام "إيكو" بل والجميع ، وادعاء الطهارة ، سهل جدا ان نثور وان نرفع صوتنا ، بل وتَصدُّر كل المشهد بذلك . لكن يبدوا ان من الصعب جدا امتلاك نفس الجرأة مع "الاخرين" الذين هم أقرب لنا من "إيكو" وامثاله ، لان أحكامنا على الآخر تحكمها العلاقات وليس منطق الاشياء.

حكاية صاحبنا "إيكو"هي تحصيل حاصل ليس إلاَّ...
بدأ حصته "الهزلية" بزعيق صاخب مجلجل ، ليحرك الشفاه ولو بابتسامة لكن ظل الكل صامتا..الا بعض من استقدمتهم القناة خصيصا ليضحكو ويصفقوا .. والذين قاموا بالعمل الموكل اليهم بحرفية عالية فكانوا يضحكون ويصرخون طيلة العرض كالمجانين .
وصاحبنا كان يصرخ ويتلوى طوال العرض تقريبا ، ليقول لنا شيئا واحدا "السوسي مول الحانوت " فهل من إبداع اكثر من ذلك!!!!!!!!!ناسيا او متناسيا أن العرض الجيد والكلمة الذكية التي تقال بهدوء،هي التي تولد زوبعة من الضحك ، إنه "السهل الممتنع"، ومن يعرف الكوميديا الحقيقية يعي جيدا الفرق بين 'كوميديا' وأخرى . فالعرض الكوميدي الحقيقي لا يبحث مُعدّوه عن الأسهل فيحولون بعض طباع الناس والمجتمعات او بعض النكات او ترجمة بعض الاغاني إلى مشاهد كوميدية.!!
هنا تطرق مخيلتي موقف كاتبة وممثلة أمريكية (إلين ديجينيرز) في انتقاد الكوميديا التي تحاول إضحاك المتلقي على حساب الآخر، أي الكوميديا التي تعتمد لإضحاك المشاهد على الإساءة إلى شخص ما أو الى شريحة اجتماعية : "أردت أن أكون مثالا على أن المرء يمكن أن يكون ظريفا وودودا في الوقت نفسه، وأن يضحك الناس دون أن يجرح شعور أحد". وهذا ما ينقص الكوميديا عندنا وعند فكاهيينا فمعظم عروضهم عبارة عن مشاهد تسخر من طبائع وعادات بل وحتى من زملاء لهم في الميدان الفني . أو يقدمون "أنفسهم" كنكتة يُضحكون الناس عليهم بحركاتهم البهلوانية أحيانا وبغبائهم وبلادتهم في احيان كثيرة.

اتذكر ان في نفس ليلة رأس السنة التي بثت فيها القناة الثانية عرض "ايكو" كانت زميلاتها الاولى والامازيغية تبثان هي الاخرى "وصلات فكاهية" لفكاهيين آخرين منهم أمازيغ .. واول ما اثار انتباهي وفجر تسائلا في داخلي هو الفرق بين أن يؤدي "الفكاهي" دورا فكاهيا مضحكا، وأن يكون هو نفسه نكتة بليدة تزعج ولا تضحك. وطبعا في غياب نص كوميدي مكتوب ومتناسق مع الدور.
ما يحتاجه هؤلاء هو الموهبة أولا، والنضج بمعناه الشامل وفهم الدور الاجتماعي والثقافي والترفيهي للكوميديا . فهدف الكوميديا كما يراه موليير مثلا هو "إصلاح حال الناس بتسليتهم".
لكن ،الظاهر من الامور الآن .. أنه مثلما يلجأ من ينقصه االدليل ، ويخونه المنطق إلى الزعيق والعنف أو الصراخ ، يلجأ هؤلاء "الكوميديون" الذين تنقصهم الموهبة والنضج ، وينقصهم النص الكوميدي الذكي إلى الزعيق، والحركات البهلوانية. وهو حال صاحبنا ، موضوع الحكاية كلها "إيكو"!!
إنها الموهبة والنضج يا اصدقائي هو ما ينقص.الوعي بالأشياء .. الوعي بمأساة الوطن ، وبأحزان عامة ، الوعي والإيمان بأن "فن الكوميديا او المسرح عامة يجب أن يكون هو نبض الشارع الحقيقي ومشاعره وانتماءه.واما بعض المنشورات والكتيبات المتعلقة بالكوميديا التي تقرأونها او توهموننا بذلك فهي شبيهة بتلك الكتب إياها "كيف تتعلم الإنجليزية في سبعة أيام بدون معلم" أو "كيف تصبح مليونيرا "، وما يحصل بعد ذلك هو أن "الآخر" الذي يحرككم هو من يصبح مليونيرا، وليس انتم !!!
ليتكم ابكيتمونا وأبكيتم الناس علينا.أما انتم ففقط..تُضحكون الناس علينا.!!

في فترات ما من ماضٍ ليس ببعيد ، كانت اوضاع البلد الصاخبة تمنح "الفنان الكوميدي" فرصة لأن يبدع ، ولحسن الحظ ،الذي هو سوء الحظ ، أيضاً، أن فترات ما من ذات الاوضاع منحت الفنان الريفي فرصا كبيرة لأن يتألق، وينتج وينضج ويجدد، ولهذا شاع عندنا فن الغناء و الكوميديا الاجتماعية والسياسية ، تناول هؤلاء المشكلات الكبرى كاللغة والهوية والصغيرة في الحياة اليومية للإنسان البسيط بلهجة ساخرة بسيطة جدا والمشكلات الاجتماعية كالبطالة والعنصرية والتمييز وأحيانا حتى الرقابة. أسلوب مختلف تماما عما تقدمونه وعما تقترحه علينا اليوم البرامج التلفزيونية التي تعتبر متزمتة وفي قطيعة مع الهموم الحقيقية للناس . وعلى الأخص الإنسان الامازيغي.
وكأن هذه القنوات غافلة على أن الجميع سئم من سخافاتها ، ومن استحواذها على المشهد الاعلامي بالبلاد، وقهرها لنا نحن الامازيغ باسم معايير جائرة غير دقيقة ، وملفقة على نحو مثير للشفقة ، هي سلطة وهمية اصطنعوها. لكن الامور اليوم لم تعد هي التي في حساباتها و في أذهانها، الكل "عاق" بدورها الخفي الذي لا تتكشف عنه .
فالقادم ليس هو القائم ، وكل وقت له جيله.

اليوم.. نفتقد الى فكاهيين حقيقيين عرفناهم في ذاك الريف الشامخ ذات المساءات الحزينة ، منهم من توارى الى الوراء بفعل الحصار المضروب على انتاجاتهم .. منهم من غادر الكوميديا دون عودة ومنهم من تحول الى ساحات أخرى و..
نفتقد الى فكاهيين عرفناهم في فترات ما ، لم يكونوا يمثلون فقط كي يُضحكون الناس، بل كانوا يقدمون رسائل .. يقدمون عروضهم كي يذكرون الناس بما يلحق بهم ، مشاريع لأفكار وعليهم كانت تقع مسؤولية التنبيه لها.
كانوا بالتالي يميزون بين فن الفكاهة وفن الضحك ، ففي عروضهم كنا نجد فن الفكاهة وليس فن الضحك ، الفكاهة الحقيقية ، بعمق موضوعاتها الرئيسية ، وحساسية ثيماتها الفرعية التي تمس العاطفة الإنسانية النبيلة.
آخر الحكاية ان ...
من لم يعي الامور بعد ... ليبحث لنفسه عن ركن آخر يليق به.