الأخطاء العشر لعباس الفاسي


الأخطاء العشر لعباس الفاسي


يونس مسكين*:


تمارس وسائل الإعلام ومراكز البحث وتتبع إشارات الرأي العام في البلدان الديمقراطية تقليدا دوريا لإحصاء منجزات ونكسات القائمين على تسيير الشأن العام، وفي مقدمتهم الوزير الأول أو الرئيس باعتبارهما قائدي الجهاز التنفيذي. ويكون لهذه العملية دور محوري في سياسات وبرامج تلك الحكومات، وتدخل بناء عليها التعديلات الضرورية في أسلوب عملها. وتركز عمليات الرصد والإحصاء هذه على نقد الساهرين على الشأن العام وإبراز هفواتهم ومكامن الضعف في شخصيتهم، وهو ما واجهه باراك أوباما في الأيام الموالية لانتخابه، حين أثار الكثيرون ضعف خبرته ومعرفته بالملفات الخارجية والعسكرية على وجه الخصوص، والأمثلة كثيرة.
في المغرب، يتولى تنسيق الجهاز التنفيذي منذ أكثر من سنتين وزير أول حملته "المنهجية الديمقراطية" إلى واجهة المشهد السياسي المغربي. وخلال هذه الفترة من مزاولة "سلطاته" التنفيذية، أثار عباس الفاسي رقما قياسيا من الانتقادات والتحليلات المجمعة على ضعف أداء مؤسسة الوزير الأول على عهده، سواء بمقارنته بسلفه التكنوقراطي إدريس جطو، أو السياسي عبد الرحمان اليوسفي.
فرغم عزوف المغاربة الواضح عن التوجه إلى مكاتب الاقتراع في انتخابات 07 شتنبر 2007، شكل تعيين الملك للأمين العام لحزب الاستقلال، عباس الفاسي، وزيرا أول عودة إلى "المنهجية الديمقراطية"، باعتباره زعيم الحزب الذي احتل المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، وهو ما قرأ فيه البعض انتصارا للديمقراطية، في جانبها المسطري على الأقل. لكن روايات متواترة، سرعان ما عادت إلى ليلة القدر من شهر رمضان الذي سبق تشكيل حكومة عباس الفاسي، تقول إن أحد مستشاري الملك جاء إلى المسجد الذي أقيمت فيه تلك الليلة رسميا بمدينة فاس، حاملا في جيبه ورقة تضم لائحة الوزراء الذين "يقترحهم" المستشار الملكي على الفاسي كي "يقترحهم" بدوره على الملك.
صورة الوزير الأول لم تزدها فلتات لسانه وخرجاته الإعلامية إلا ترسيخا، وما كان الفاسي يخرج ليكذبه لم يكن يزداد إلا تأكيدا، فقال إن المغرب ليس هو بريطانيا وإن المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك يمكنه أن يتحفظ على قرارات المجلس الحكومي الذي يترأسه الوزير الأول، واعتبر أن دوره في الشؤون الخارجية هو تمثيل "جلالة الملك في العديد من القمم واستقبال المسؤولين الأجانب أثناء زيارتهم للمغرب"، مضيفا أنه لا يحس أبدا بأنه مهمش، رغم اعترافه بأن "صاحب الجلالة هو من يتحكم في أجندة انعقاد المجلس الوزاري".
فبالإضافة إلى سوء التقدير في الأبعاد السياسية لبعض تلك التصريحات، والتسرع في نفي الحقائق الواضحة، كما وقع في أحداث سيدي إيفني سنة 2008، والتي نفى وقوعها جملة وتفصيلا؛ فإن بعض المناسبات حملت زلات لسان عباس الفاسي في أوضاع لا تحتمل الخطأ، مثل تلك الزلة التي ارتكبها في ندوة صحفية مشتركة مع رئيس الوزراء الإسباني خوصي لويس ثباتيرو، حيث خاطب هذا الأخير باسم خوصي ماريا أثنار ثم خوصي ماري أثنار متبوعا بضحكة غريبة وتعليق باللغة الفرنسية بقوله "أعتقد هذا"، وهو التصريح الذي تم أمام أنظار عدسات القنوات التلفزيونية الإسبانية والدولية.
فأثناء اشتداد المواجهات في سيدي إيفني بين المتظاهرين وقوات الأمن كان عباس الفاسي يتحدث إلى القناة الثانية، نافيا أن تكون هناك أي اضطرابات، فيما كانت قناة أخرى تسمى "يوتوب" تعرض عبر شبكة الإنترنيت تسجيلات حية بالصورة والصوت لمواجهات عنيفة بين قوات أمنية مغربية ومواطنين من أبناء مدينة سيدي إيفني، وكان العالم يتفرج على عناصر من تلك القوات وهم يشبعون أحدهم ضربا ورفسا بأحذيتهم العسكرية القوية، وآخرين وهم يتناوبون على القفز وضرب باب أحد المنازل في محاولة يائسة لتحطيمه.
وعندما صدر قرار ملكي بإقالة وزير من حكومة الفاسي ومنحدر من حزبه، حزب الاستقلال، هو الوزير أحمد لخريف، لم يخرج الفاسي عن صمته ليشرح ملابسات القرار الملكي، ويوضح ما إن كان قد اطلع على قرار الإقالة قبل أن يتوصل وزيره بتلك المكالمة الصاعقة التي أبلغته بقرار إعفائه من مسؤوليته الحكومية، وطبيعة الإشكال الذي سببته الجنسية الإسبانية المفترضة لأحد وزرائه وما إن كان الأمر يتعلق بقرار استراتيجي سيشمل جميع المسؤولين الكبار الحاملين لجنسيات أجنبية. بل إن الوزير الأول لم يعبأ بمسؤوليته السياسية في إعلان موقفه مما يفترض أن أحد وزرائه في الحكومة قد أقدم عليه، علاوة على كون هذا الوزير ينتمي إلى حزب الاستقلال الذي يتزعمه الفاسي.
وبعد أيام من القرار الملكي الاستثنائي القاضي بإعفاء أحمد الخريف، المنتمي إلى حزب الاستقلال،، صدر بلاغ آخر عن الديوان الملكي، وتحديدا يوم الأحد 30/12/2008، أكد فيه "جلالة الملك محمد السادس على الحفاظ على صلاحيات وكالات التنمية لأقاليم شمال وجنوب وشرق المغرب"، وهو ما يعني إلغاء مرسوم صادر عن الوزير الأول، نص على إلحاق هذه الوكالات لوصاية وزير الإسكان والتنمية المجالية، الاستقلالي أحمد توفيق احجيرة. وفي الحيثيات التي صاحبت البلاغ تم التأكيد على "استقلالية" الوكالات المذكورة و"تدعيم عملها بمجموعة من الإجراءات التي ستمكن من تفعيل دورها. ليخرج عباس الفاسي في أحد لقاءاته النادرة بالصحافة ويعتبر البلاغ الملكي "تصحيحا" لخطأ ارتكبته الحكومة، وقال إنه "سعيد" بهذا التصحيح الملكي.
بالمقابل، ظل عباس الفاسي يتفرج على أغلبيته البرلمانية التي أخذت في التآكل منذ أول يوم لتشكيل حكومته، حيث راح الفريق البرلماني للأصالة والمعاصرة يلتهم البرلمانيين الرحل من جميع الأحزاب والتيارات، ودخل في تحالف مرحلي مع حزب التجمع الوطني للأحرار. وكان هذا الفريق الذي فاق الأربعين نائبا في ظرف قياسي ركيزة أساسية في الحفاظ على أغلبية حكومة عباس الفاسي، الذي تخلى عن دعم فريق الحركة الشعبية الذي كان ضمن الأغلبية السابقة التي قال إنها هي نفسها التي فازت بانتخابات 2007. إلى أن فوجئ بقرار حزب الأصالة والمعاصرة سحب دعمه للحكومة قبيل الانتخابات الجماعية الأخيرة، وأصبحت بذلك حكومته حكومة أقلية. فكان من بين تداعيات ذلك عجز عباس الفاسي عن التنسيق بين مكونات أغلبيته لتقديم مرشح مشترك لرئاسة مجلس المستشارين، والتي فاز بها محمد الشيخ بيد الله، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة. وتلك بعض من أخطاء وزير أول اسمه عباس الفاسي.


اعتبرها محترمة ونأى بنفسه عن إعدامها قبل أن يوقع قرار منعها
"أخبار اليوم".. الجريدة "المحترمة" الموءودة بتوقيع من عباس الفاسي

عندما عاد الوزير الأول عباس الفاسي من الجماهيرية الليبية قبل أشهر، وهو يجر ذيول إهانة تاريخية للمملكة الشريفة باستدراجها، من طرف جهة مجهولة، إلى الوقوف جنبا إلى جنب مع زعماء الانفصال، قياديي جبهة البوليساريو، في إطار احتفالات ليبيا بالذكرى الأربعين لثورة "الفاتح"، اتصلت "أخبار اليوم" بالوزير الأول طلبا لمزيد من المعلومات والمعطيات حول تلك الزيارة التي قاد خلالها الوفد المغربي، واضطر فيها إلى الانسحاب رفقة تجريدة من القوات المسلحة الملكية، تحدث الوزير الأول بلهجة المحامي الأرستقراطي اللبق، طالبا من صحافي الجريدة تفهم اعتذاره عن تقديم معلومات حول ما جرى بطرابلس، قائلا: "رغم أن جريدة "أخبار اليوم" جريدة محترمة، إلا أنني لا أستطيع إخباركم بأي شيء قبل أن أُطلع صاحب الجلالة على تفاصيل الموضوع".
هذه الجريدة "المحترمة"، برأي الوزير الأول، سوف تجد مقرها بعد أيام قليلة مغلقة ومحاصرة بقوات عمومية، بذريعة نشرها رسما كاريكاتوريا "مسيئا" إلى الأمير مولاي إسماعيل، بناء على بيان صادر عن وزارة الداخلية، صودر بموجبه عددان من الجريدة دون أن تكون لهما أي علاقة بالعدد الذي نشر فيه الرسم الكاريكاتوري، ومنع طاقمها الصحافي والتقني والإداري من العودة إلى المكاتب وممارسة عملهم الاعتيادي. لكن المفاجأة جاءت من الوزير الأول عباس الفاسي، والذي أطلق العنان للسانه الخجول كي يتلفظ بعبارات تبقيه على مسافة آمنة من هذا المنعرج الخطير. وقال الوزير لصحيفة "الجريدة الأولى" إنه لا علاقة له بملف "أخبار اليوم لأنه كان مشغولا بأمور أخرى".
التصريح اعتُبر في حينه قنبلة مدوية بشحنة غير مسبوقة من الجرأة من وزير يصر الجميع على اعتباره "ضعيفا"، وهو يلقي بهذه الكلمات الثقيلة في وجه أم الوزارات، وزارة الداخلية، في ملف يُقحم اسم أحد أفراد العائلة الملكية. قبل أن يعود بوق حزب الميزان، جريدة "العلم"، إلى تصحيح زلة لسان الزعيم، وكتبت في الصفحة الأولى لأحد أعدادها: "زعمت "الجريدة الأولى" أن الوزير الأول لم يكن على علم بالانزلاق الخطير لجريدة "أخبار اليوم"، والواقع أن الوزير الأول أشار فقط إلى أنه لم يطلع بعد على الكاريكاتير "الفظيع" لسبب بسيط هو أنه يرفض قراءة هذا النوع من الصحف المتخصصة في الأخبار الزائفة والكاذبة"؛ لتتحول "أخبار اليوم" من جريدة "محترمة"، كما قال الفاسي شخصيا للصحيفة نفسها، إلى "متخصصة في الأخبار الزائفة والكاذبة" على لسان حزبه العتيد.
الإغلاق المتعسف لمقر الجريدة، والحجز الخارج عن القانون لعدديها، والمنع الأخرق لصدورها، كلها معطيات كانت تمنح الصحيفة كل الحق في اللجوء إلى قضاء يفترض فيه السهر على حماية وتطبيق القانون، واستعادة حقها القانوني والمبدئي في الوجود، ورغم التماطل الطويل في البت في دعواها الاستعجالية إلا أن الأمل كان شبه مؤكد في إعادة القضاء الإداري الأمور إلى نصابها: القانون واضح ولا يمنح وزير الداخلية أكثر من حق حجز عدد يتضمن أمرا مخالفا للقانون، والسلطات الإدارية لا تملك أي سلطة لإغلاق ومحاصرة مقر أي مؤسسة دون سند قانوني.
لكن ما كان يعتبر موعدا للإنصاف، تحول إلى مأتم حقيقي، حين فوجئ توفيق بوعشرين، مدير نشر جريدة "أخبار اليوم"، بتصريح صادر عن الوكيل القضائي بالمحكمة الإدارية بالدار البيضاء، أثناء مُثوله أمام المحكمة الإدارية بصفته طاعنا في إقدام وزارة الدّاخلية المغربية على منع صحيفته من الصدور، ومنعه من الولوج إلى مقرها المركزي بالدار البيضاء، حيث أشهر الوكيل وثيقة قال إنها قرار للوزير الأوّل عبّاس الفاسي، يقضي بمنع تداول يومية "أخبار اليوم" في الأكشاك والأماكن العمومية، كما لو كان الأمر يتعلق بمنشور بورنوغرافي يخدش الحياء العام.
المثير في "قرار" عباس الفاسي أنه جاء مكتوبا فوق ورقة بيضاء، لا تحمل "ترويسة" الوزارة الأولى ولا ختمها، فتناسلت الروايات التي حكت قصة صنع هذا القرار وإلحاقه بملف الدعوى التي رفعتها "أخبار اليوم"، حاملا لتاريخ اليوم الذي سبق بيان وزارة الداخلية، بعدما قال عباس في اليوم الموالي لحصار الجريدة إنه لم يكن على علم بالموضوع أصلا. وتقول إحدى تلك الروايات إن وزيرنا الأول كان "مشغولا" في أحد المؤتمرات بمراكش، حين "قرر" وضع توقيعه على قرار المنع، ودليل هذه الرواية هو أن الوثيقة لم تحمل رقم القرار، بل جاء هذا الرقم مزيدا بكتابة يدوية في أعلى الوثيقة.


[الفاسي أخطأ التقدير السياسي لخروج الهمة من وزارة الداخلية فاكتوى بنار حرائقه
مشروع الهمة.. من ناد للتأمل إلى "لعب الدراري"

في عز مسلسل التشويق والإثارة الذي انطلق صيف 2007، كان عباس الفاسي، السعيد باحتلال حزبه المرتبة الأولى في انتخابات تشريعية قاطعتها أغلبية المغاربة، يعتقد على غرار الكثيرين أنها لحظة النهاية، نهاية رجل كان قد أكمل مراحل بلوغ مرتبة الرجل النافذ، القادر على تحريك خيوط اللعبة السياسية والأمنية والاقتصادية من خلف ستار طالما فشل في إخفائه، الرجل الثاني في الدولة بعد الملك؛ الذي أريد له أن ينهي أسطورة رجل الشاوية على عهد الحسن الثاني، وصدق عباس الفاسي أنها آخر مهامه.
أصر ابن الرحامنة حينها في خرجاته الإعلامية الاستعراضية التي انطلقت من القناة الثانية على أنه لم يخرج من الباب ليعود من النافذة، وأن "جلالة الملك" تعهد باحترام المنهجية الديمقراطية، وأن الوزير عالي الهمة قرر العودة إلى صخور الرحامنة لخدمة المنطقة وإخراجها من التهميش. وبدأ موسم الحج إلى دائرة "مرشح سيدنا"، حيث بدا من حجم وعدد "المساندين" أن أصحاب المصالح السياسية والمادية لم يفقدوا ثقتهم واعتمادهم على مرشح من طراز خاص.
تلك التي اعتقدها البعض نهاية لم تكن سوى البداية، وانطلق التأسيس لما بعد السابع من شتنبر بالفريق البرلماني الذي كاد يستنزف من الأحزاب نوابها. فإذا كانت القاعدة الشهير تقول إن أحدا لا يعذر بجهله للقانون، فإن آخر لا يلام على حسن استغلاله لثغراته. فكانت بوابة الفريق البرلماني مدخلا للقفز على ما اعتقد البعض أن قانون الأحزاب الأخير قد أنهاه من ظاهرة برلمانيين رحّل.
موازاة مع تشكيل "جمعية" أطلق عليها اسم "حركة لكل الديمقراطيين"، أقسم الهمة في أحد أنشطتها على أنها لن تتحول إلى حزب سياسي، وسارع عباس الفاسي إلى تصديق ذلك، فاعتبر أن المبادرة "تدخل ضمن التعددية التي تنهجها المملكة"، وأن المؤشرات الأولية لإحداث هذا الإطار" تفيد بأنه بمثابة ناد للتأمل والتفكير في القضايا المرتبطة بتقوية الديمقراطية والحد من ظاهرة العزوف السياسي والتشجيع على المشاركة في الانتخابات"، وبذلك، يضيف الوزير الأول، في لقاء نادر جمعه بالصحافة الوطنية حينها، أنه "لا يمكن لهذه المبادرة إلا أن تساهم، إلى جانب منتديات أخرى، في تعزيز النقاش الجاري حول ترسيخ قيم الديمقراطية"، وأنه "ليس هناك حزب خاص بالملك لكون كافة الأحزاب السياسية هي أحزاب جلالة الملك، تؤمن بالملكية الدستورية وبالثوابت الوطنية الأخرى"، ولم يفوت الفاسي الفرصة ليقول إن "الهيئة الناخبة منحت ثقتها خلال استحقاقات سابع شتنبر2007 للأغلبية السابقة".
أكثر من ذلك، لم يتردد زعيم حزب علال الفاسي في الاستعانة بالقوة العددية لفريق صديق الملك، فؤاد عالي الهمة، داخل البرلمان، كي يستكمل "أغلبيته" الحكومية، مستغنيا عن حزب الحركة الشعبية الذي كان من مكونات "الأغلبية السابقة" التي قال الفاسي إنها ربحت الانتخابات. وبقي حزب الميزان "يقود" حكومته معفيا نفسه من الجدالات الصاخبة والأمواج المتلاطمة بسبب "الوافد الجديد"، وبدا حزب الفاسي مثل لو كان غير معني بتلك المعارك الإعلامية والسياسية، إلى أن اقترب موعد الانتخابات الجماعية لـ12 يونيو الماضي، ووجد عباس نفسه قائدا لحكومة أقلية، بعد قرار حزب الأصالة والمعاصرة سحب دعمه للحكومة والانتقال إلى المعارضة، تصديقا لما كان الفاسي قد استشعره متأخرا بقوله، في إحدى خرجاته النادرة، إن "بعض الأحزاب المشاركة في الغالبية لم تعد تعرف إن كانت في الحكومة أم في المعارضة، وأحزابا أخرى في المعارضة لم تعد راغبة في البقاء بصفوفها في انتظار الانتخابات التشريعية المقررة عام 2012، فقررت استغلال الانتخابات البلدية لتشن حملتها على الحكومة، وإيهام المواطنين بأن انتخابات 12 يونيو الجاري ستؤدي إلى إسقاط الحكومة، وهذه مغالطة كبيرة. فالحكومة مرتبطة بالانتخابات التشريعية وستحاسب على أدائها خلال الانتخابات التشريعية المقبلة".
لكن سرعان ما "اتصل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، من مقر إقامته بباريس، بالوزير الأول السيد عباس الفاسي، حيث جدد جلالته التأكيد على توجيهاته السامية لإجراء العمليات الانتخابية في نطاق من النزاهة وسيادة القانون. وخلال هذا الاتصال، جدد جلالة الملك أعزه الله الإعراب عن الثقة الملكية السامية في الحكومة والوزير الأول، لمواصلة ومضاعفة جهودهم للنّـهوض بالإصلاحات والأوراش الكُـبرى والانكباب على حُـسن خِـدمة المصالح العُـليا للوطن والمواطنين".. هكذا نزلت قصاصة الرحمة من سحاب وكالة المغرب العربي للأنباء، لينبري الفاسي للافتخار بالمكالمة الملكية وانتقاد خروج حزب الأصالة والمعاصرة من الأغلبية الحكومية عشية انطلاق حملة للانتخابات الجماعية. وقال إن حزب الجرار كان يهدف إلى "خلق تشويش ودفع المغاربة إلى العزوف عن الانتخابات، حتى يقال إن الحكومة في واد والشعب المغربي في واد آخر، وبالتالي زعزعة الحكومة". بل إن الشيخ الأول ذهب إلى حد وصف قرار حزب الأصالة والمعاصرة بـ"لعب الأطفال"، ليأتيه الرد سريعا على لسان فؤاد عالي الهمة في عز الحملة الانتخابية، والذي لم يتورع في وصف الوزير الأول بـ"الشيخ العجوز".

اعتبر الأمر مجرد تعبير عن المطالب ومؤشرا على كون المغاربة يعيشون في حرية
سيدي إيفني.. العالم يتفرج على المواجهات والوزير الأول ينكر حدوثها

"نفى الوزير الأول السيد عباس الفاسي يوم الأحد، بشكل قاطع، وقوع أية أحداث في سيدي إيفني، كما روجت لذلك بعض الشبكات التلفزيونية، موضحا أن ما وقع بالمدينة لا يعدو كونه تعبيرا عن مطالب، وأكد السيد عباس الفاسي، في تصريح للقناة التلفزية الثانية بثته في نشرتها الإخبارية الزوالية"، أنه "لم تكن هناك أية أحداث في سيدي إيفني نهائيا وبتاتا، ولكن هناك من حين لآخر تعبير عن مطالب" من لدن المعطلين الباحثين عن الشغل. واعتبر الوزير الأول أن ذلك "يعني أن المغرب يعيش في حرية، وأن المغاربة أحرار في بلدهم"، معبرا عن اعتزازه بـ"الاستقرار الذي تعرفه هذه الأقاليم وبانضباط السكان وتعلقهم بالعرش وبمغربيتهم". ونفى الأنباء التي تناقلتها بعض الفضائيات والتي وصفها بـ"المغرضة"، لافتا إلى أن السكان في هاته المنطقة "يعيشون في طمأنينة"، ومؤكدا أن "الدولة والحكومة وكذلك الجهة والمجلس البلدي ومجلس العمالة والأقاليم يتابعون باهتمام موضوع المعطلين". هكذا نقلت وكالة الأنباء الرسمية بـ"أمانة" ما قاله الوزير الأول الاستقلالي في يونيو 2008، تعليقا على ما كان يجري حينها في مدينة سيدي إيفني.
وفي اللحظات التي كان خلالها عباس الفاسي يتحدث إلى القناة الثانية، كانت "قناة" أخرى تسمى "يوتوب" تعرض عبر شبكة الإنترنيت تسجيلات حية بالصورة والصوت لمواجهات عنيفة بين قوات أمنية مغربية ومواطنين من أبناء مدينة سيدي إيفني، وكان العالم يتفرج على عناصر من تلك القوات وهم يشبعون أحدهم ضربا ورفسا بأحذيتهم العسكرية الخشنة، وآخرين وهم يتناوبون على القفز وضرب باب أحد المنازل في محاولة يائسة لتحطيمه. ونقلت الصحف المغربية وقنوات ووكالات الأنباء الدولية أن شباناً تظاهروا احتجاجاً على الفقر والبطالة وما يعتبرونه تهميشاً من جانب السلطات لمدينتهم، فقاموا بمحاصرة ميناء المدينة طيلة ثمانية أيام، فسدت خلالها السلع والبضائع المحاصرة، مما استدعى تدخل السلطات إثر تعرض السمك المعبأ في الشاحنات للتلف... بل إن حقوقيين، كان أولهم المركز المغربي لحقوق الإنسان، تحدثوا عما أسموه "تدخلاً وحشياً للسلطات لتفريق المتظاهرين". ووصف المركز المغربي لحقوق الإنسان، في بيان له، أسلوب تدخل رجال قوات الأمن بـ"الهمجي"، معتبرا أنه "تم استعمال الضرب المبرح بالعصي وكسر العظام والاغتصاب والتحرشات الجنسية والإهانات اللفظية وسرقة الممتلكات"... واعتبر تقرير أصدرته أربع عشرة جمعية حقوقية، في أعقاب زيارتها للمدينة، أن تدخل قوى الأمن رافقه تعذيب مواطنين مما أفضى إلى حدوث إصابات خطيرة. كما سجل تقرير وقوع حالات اغتصاب وتحرشات جنسية، لكن التقرير قال إن اللجنة لم تستطع التأكد من حدوث وفيات على هامش الأحداث. النقطة الأخيرة كانت القشة التي قسمت ظهر مكتب قناة "الجزيرة" بالرباط، وجرت مديره إلى المحاكمة والإدانة قبل أن يضطر إلى الرحيل عن المملكة نهائيا، فيما لم يتراجع عباس الفاسي عن تصريحاته النافية لوقوع أي مواجهات بسيدي إيفني، رغم اعتراف رسمي بوقوع مواجهات أسفرت عن 48 جريحاً بينهم 28 من أفراد الأمن، واعتقال عدد من الأشخاص على خلفية الأحداث، أطلق سراح بعضهم فيما تمت محاكمة آخرين وإدانتهم بالسجن النافذ بتهمة "تكوين وقيادة عصابة إجرامية، وإضرام النار في الممتلكات الخاصة والعامة".
وعلى إثر ذلك قام البرلمان المغربي بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في هذه الأحداث، تولت عقد جلسات استماع شملت 190 شخصا، بينهم مسؤولون وممثلون عن الأحزاب السياسية وضحايا الأحداث وعناصر من قوى الأمن. وخلص تقرير البرلمانيين إلى أن "هذه الأحداث، كما تم رصدها وتوصيفها، تطرح معضلة تدبير الأزمات المترتبة عن أحداث اجتماعية وسياسية في أبعادها الأمنية، من حيث احترام حقوق الإنسان وحكم القانون، انطلاقا من التزامات الدولة ذات الصلة، ومن مستوى التقدم المحرز الذي تم إقراره بعد طول نضال وتحولات سياسية. وعليه تسجل بعثة التقصي، بكامل القلق، الانزياحات التي عرفتها الحركة الاحتجاجية والتي تطورت إلى حصار الميناء، كما تسجل انشغالها العميق بتدبير وضع كهذا، من حيث تداعياته وانفلاتاته، ومن حيث ما ترتب عنه من انتهاكات لحقوق الإنسان". وقال التقرير أيضا إن بعثة التقصي لم تجد أي مبرر أو أية رابطة بين فض الاعتصام الذي تم بنجاح وبسرعة وبين اقتحام منازل بحيي للامريم وبولعلام"، واستنكرت البعثة "إقدام أفراد من القوات العمومية المقتحمة على خرق حرمة المنازل المداهمة، من حيث إهانة سكانها ومخاطبتهم بأقوال مهينة ومشينة وماسة بكرامتهم الإنسانية المتأصلة".
كما سجل التقرير البرلماني "باستنكار واستغراب بالغين انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها أفراد من القوات العمومية، خلال يوم 7/6/2008 والتي طالت ما يلي:
- حصول اعتداءات بدنية مست الحق في السلامة البدنية والتي اتخذت أشكال التعذيب وتم ارتكابها في حق مواطنين عزل إما في منازلهم أو بمركز الشرطة، حيث تم استهداف السلامة البدنية بأفعال متعمدة ألحقت بهم أضرارا بدنية نتجت عنها آلام معنوية وجسدية؛
- استهداف بعض النساء بممارسات عنيفة، اتخذت طابع اعتداءات جسدية وذلك قصد إهانتهن ومضايقتهن وتخويفهن وذلك بتعريتهن واستهدافهن بألفاظ مهينة وحاطة بالكرامة الإنسانية بل وتهديدهن بالاغتصاب، وهو الفعل الذي لم تقف بعثة التقصي على حدوثه كما هو معرف قانونا، بناء على الشهادات التي توصلت بها من النساء اللائي وقع الاستماع إليهن مباشرة؛
- استهداف مواطنين عزل وسط الشارع العام وتعنيفهم بدون مبرر، فقط لأنهم كانوا يتواجدون فيه".



رغم المعطيات الرسمية التي أكدت حضور وفد الجبهة لتلك الاحتفالات
الوزير الأول وجها لوجه مع قادة البوليساريو في ذكرى الثورة الليبية

قبيل حلول الذكرى السنوية لما يسمى "ثورة الفاتح" الليبية، وبعدما تأكد حضور رؤساء جميع الدول المغاربية في احتفالات ليبيا بالذكرى الأربعين للثورة، لم تعلن الحكومة المغربية، إلى غاية عشية حلول الذكرى، عن مستوى التمثيل المغربي في هذه الاحتفالات، فيما كانت الرئاسة الجزائرية قد أكدت أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سيحضر الاحتفالات الكبرى التي تعرفها الجماهيرية، بعد مشاركته في قمة الاتحاد الإفريقي التي احتضنتها طرابلس في اليوم السابق للذكرى. كما أعلن رسميا عن مكوث كل من الرئيسين التونسي زين العابدين بنعلي والموريتاني محمد ولد عبد العزيز في طرابلس لحضور تلك الاحتفالات بعد مشاركتهما في القمة الإفريقية. فيما كان غياب الملك محمد السادس عن تلك الاحتفالات شبه مؤكد، بعد الإعلان الرسمي عن إصابته بوعكة صحية ودخوله في فترة نقاهة.
لكن ما لم يكن خافيا على أحد، وما كتبته "أخبار اليوم" عشية الذكرى في صفحتها الأولى، هو أن قمة الاتحاد الإفريقي حضرها "إلى جانب قادة الدول الإفريقية، ممثلون عن جبهة البوليساريو، مما سبّب، حسب مصدر متتبع، إحراجا كبيرا للمغرب، الذي قد يضطره هذا الحضور الرسمي لممثلي الجبهة إلى عدم الحضور في احتفالات الجماهيرية بذكرى ثورتها، علما بأن تجريدة من القوات المسلحة الملكية، كانت قد شاركت في استعراضات احتفالية بذات المناسبة". غير أن ما كتبته اليومية الموؤودة، لم يحل دون وقوع ما حذرت منه مصادرها، ووجد المسؤولون المغاربة أنفسهم خلال تلك الاحتفالات، يقفون جنبا إلى جنب مع انفصاليي البوليساريو، بينما تمر تجريدات عسكرية من مختلف الدول المشاركة، حاملة أعلام بلدانها، ولولا "مكالمات" آخر ساعة لكان الجنود المغاربة يستعرضون "قوتهم" إلى جانب مقاتلي الجبهة الذين اضطر الزعيم الليبي إلى إعادتهم من المطار، بعدما قدموا إليه في طائرة عسكرية جزائرية.
مصادرنا المطلعة قالت إن الوزير الأول، الذي شد الرحال نحو طرابلس لتمثيل الملك محمد السادس، وجد نفسه في ورطة حقيقية وهو يلاحظ وجود زعماء البوليساريو ضمن الضيوف الكبار في الاحتفال الليبي بذكرى "ثورة الفاتح". وأكدت مصادرنا أن الذي تصرف حينها هو وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري، باتصاله مباشرة بالقصر الملكي طلبا للتوجيهات، والتي أتت بسرعة، داعية إلى الانسحاب الفوري للوفد المغربي بـ"زعامة" عباس الفاسي.
وجاء في قصاصة لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الوفد المغربي "غادر مكان التظاهرة عندما لاحظ ضمن المدعوين حضور رئيس ما يسمى "الجمهورية الصحراوية" المزعومة مرفوقا بوفد. كما قامت تجريدة القوات المسلحة الملكية، التي كان من المنتظر أن تشارك في الاستعراض العسكري المنظم بالمناسبة، على الفور بإلغاء مشاركتها والانسحاب". وأضافت القصاصة أن الحكومة المغربية عبرت عن احتجاجها الشديد إزاء هذا الموقف المفاجئ، خاصة وأنه قد سبق تقديم كل الضمانات.
ضمانات قال مصدر دبلوماسي مغربي إن المملكة طلبتها من سلطات الجماهيرية قبل أسابيع، وأفضت الاتصالات الدبلوماسية بين الجانبين إلى ضمانات ليبية بعدم حضور أي ممثل لجبهة البوليساريو خلال احتفالات ليبيا بذكرى ثورة "الفاتح"، حتى يمكن للمغرب أن يحضرها. "وبما أن الوفد المغربي حضر الاحتفالات بناء على هذه الضمانات، فقد انسحب فور ملاحظته حضور وفد ما يسمى "الجمهورية الصحراوية"، وطالب الجماهيرية الليبية بتوضيحات حول هذا التصرف الذي يسيء إلى المغرب والمغاربة"، يقول مصدرنا الذي فضل عدم ذكر اسمه. وفيما كانت جبهة البوليساريو قد أعلنت منذ يوم الأحد الماضي، اعتزام زعيمها محمد عبد العزيز حضور احتفالات الذكرى الأربعين للفاتح، بعد مشاركته في قمة الاتحاد الإفريقي، قال مصدرنا الدبلوماسي "إن قمة الاتحاد الإفريقي ومشاركة الجبهة فيها لا تعنينا بما أن المغرب ليس عضوا في منظمة الاتحاد الإفريقي"، فكان أن قاطع الوزير الأول المغربي عباس الفاسي، الذي كان مرفوقا بكل من وزير الدولة امحند العنصر ووزير الخارجية والتعاون الطيب الفاسي الفهري، الاحتفالات الليبية الكبرى بعدما كانت حكومة ما تسميه جبهة البوليساريو "الجمهورية العربية الصحراوية"، قد أعلنت في بيان رسمي، عن وصول "رئيس الدولة، الأمين العام لجبهة البوليساريو، السيد محمد عبد العزيز، إلى العاصمة الليبية طرابلس للمشاركة في الاحتفالات المخلدة للذكرى الـ40 لثورة الفاتح من سبتمبر العظيم".
وبعد انتظار طويل، قدمت السلطات الليبية مذكرة إلى السفارة المغربية في طرابلس، ردا على الانسحاب المغربي من احتفالات الجماهيرية بالذكرى الـ40 لثورة الفاتح، واحتجاج الرباط على حضور قادة جبهة البوليساريو لتلك الاحتفالات. وقالت مذكرة اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي، التي أنقذت ماء وجه الدبلوماسية المغربية، إن وجود ممثلي البوليساريو في ليبيا كان بغرض المشاركة في قمة الاتحاد الإفريقي التي احتضنتها طرابلس عشية يوم الاحتفالات. وأوضحت المذكرة أن البوليساريو "لم تكن مدعوة للاحتفالات رغم إبدائها رغبة في ذلك في حال وجهت إليها دعوة بهذا الشأن، حيث إن الدول التي دعيت للمشاركة في الاحتفالات تمت دعوتها للمشاركة بوفود رسمية تضم رؤساءها أو من يمثلهم ووحدة عسكرية وفرقة فنية، وهو ما لم يحدث بالنسبة إلى "الجمهورية الصحراوية"، وقد جاء ذلك التزاما منا بالضمانات المقدمة للأشقاء في المملكة المغربية".



الفاسي برر مرسومه بتوفره على "قرائن" تثبت تورط قادة الحزب في شبكة إرهابية
حل حزب البديل الحضاري بمرسوم سبق حكم القضاء

يوم الاثنين 18 فبراير 2008، أعلنت السلطات المغربية "رسميا" عن تفكيك شبكة إرهابية، أطلقت عليها اسم شبكة بلعيرج، نِسبة إلى من اعتبرته زعيم الشبكة "عبد القادر بلعيرج"، المغربي الذي يحمِل الجنسية البلجيكية. وأعلنت السلطات منذ الوهلة الأولى أن الشبكة "ذات الصلة بالفكر الجهادي، كانت تعتزم تنفيذ أعمال إرهابية في عدد من المدن المغربية"، وأضافت أنها كانت تعد لـ"تنفيذ عمليات إرهابية بالأسلحة النارية والمتفجرات واغتيال شخصيات مغربية بارزة من وزراء ومسؤولين وضبّاط سامين في القوات المسلحة الملكية، كما وضعت مخطّطات اغتيال لمواطنين مغاربة يعتنِقون الدّيانة اليهودية...".
وبغض النظر عن فصول التشويق والإثارة التي عرفها الجانب الأمني في هذه القضية، إلا أن الفصل المفاجئ والأكثر غرابة وإثارة، جاء بعد يومين من الإعلان رسميا عن تفكيك تلك "الشبكة"، حيث أصدر الوزير الأول عباس الفاسي، يوم الأربعاء 20 فبراير، مرسوما سوف تحتفظ به مجلدات التاريخ السياسي للمملكة، يقضي بحل حزب "البديل الحضاري" الذي لم يحصل على الترخيص القانوني إلا قبل ثلاث سنوات؛ دون سابق إنذار أو لجوء إلى سلطة القضاء أو تأكد من صحة المعطيات التي يفترض أنها جاءت في سياق التحقيقات الأمنية. إجراء قاتل في حق حزب فتي اعتبر حينها مؤشرا خطيرا لما يمكن أن يصيب باقي الجمعيات أو المنظمات أو الأحزاب القائمة، بالنظر إلى السرعة التي خرج بها الفصل 57 من قانون الأحزاب، ليوضع على مكتب الوزير الأول الذي لم يتردد في وضع توقيعه على مرسوم استثنائي بكل المقاييس، غداة اعتقال مجموعة من القيادات الحزبية والسياسية يوم الثلاثاء 19 فبراير 2008.
البلاغ الحكومي الذي أعلن حل الحزب الإسلامي، قال إنه واعتبارا لثبوت العلاقة بين هذه الشبكة وتأسيس حزب "البديل الحضاري"، وتوفر قرائن تفيد بتورط قادة الحزب الرئيسيين في الشبكة، اتخذ الوزير الأول مرسوما يقضي بحل حزب "البديل الحضاري"، طبقا لمقتضيات الفصل57 من القانون المتعلق بالأحزاب السياسية". ثم خرج لسان الحكومة، وزير الاتصال خالد الناصري، ليصرح بان "التحريات الأمنية أفادت بأن هناك ارتباطا بين الحزب وعناصر الشبكة التي تم تفكيكها"، نافيا أن يكون في حل حزب "البديل الحضاري" تعسف على الحريات العامة.
المادة 57 من قانون الأحزاب، التي اعتمدها الوزير الأول عباس الفاسي في قراره حل حزب "البديل الحضاري"، تعطي إمكانية حل حزب سياسي في الحالات التالية: كل حزب سياسي نظم أو ينظم مظاهرات مسلحة في الشارع العام، كل حزب اتخذ شكل نظام عسكري يتوفر على مجموعات قتال أو فرق مسلحة خاصة، محاولة الاستيلاء على مقاليد الحكم بالقوة، المس بالدين الإسلامي، المس بالنظام الملكي، المس بالوحدة الترابية… أي أنها مادة وضعت لمعالجة أوضاع استثنائية، قد تدفع الحكومة إلى اتخاذ قرار عاجل قبل عرض الملف على القضاء. وحالات الاستعجال هذه يبررها اللجوء إلى العنف المسلح في الشارع العام، والخوف من عدم القدرة على ضبط حركة هذه التظاهرات، وإلا فإن السلطة التنفيذية لا تملك حق إصدار قرار بحل حزب سياسي، لأن الأمر يرجع إلى القضاء، وإلا فإن صورة ما أقدم عليه عباس الفاسي، تصبح صورة رئيس حزب سياسي (حزب الاستقلال) يحل حزبا سياسيا آخر قد يكون حزبا منافسا أو خصما…
والحالة أن الوزير الأول اتخذ قرارا عاجلا في نازلة لم تعرض بعد أمام القضاء، ويجزم بالقول إنه يتوفر على "قرائن تفيد بتورط قادة الحزب الرئيسيين في الشبكة"، علما بأن القاعدة القانونية الشهيرة تقول ببراءة المتهمين إلى أن تثبت إدانتهم قضائيا. ثم إن الحزب المعني لم ينظم تظاهرات مسلحة في الشارع العام أو ما يشبه ذلك، بينما يبقى للقضاء أن يحسم في أمر علاقة قيادته بخلية إرهابية مفترضة. مما جعل الفاسي في مواجهة انتقادات حقوقية وسياسية، من قبيل تلك التي جاءت في بيان الجمعية المغربية لحقوق الإنسان يوم 25 فبراير 2008، والذي استنكر "القرار التعسّفي للوزير الأول القاضي بحلّ حزب البديل الحضاري"، والذي اعتبرته الجمعية "شططا في استعمال السلطة".


أولى الخسائر فقدان رئاسة مجلس المستشارين
صهر علال الفاسي يتمسّك بزعامة الحزب ويفقد الأغلبية البرلمانية

قبيل المؤتمر الأخير لحزب الاستقلال، مارس عباس الفاسي ضغوطا على أجهزة الحزب بشكل مباشر وغير مباشر، من أجل تكريسه أمينا عاما للحزب للمرة الثالثة، رغم أن القوانين الداخلية للحزب تحصر عدد ولايات الأمين العام في ولايتين على الأكثر. ليكون بذلك الأمين العام الوحيد الذي تمكن من الفوز بمقعدي الوزير الأول والأمين العام في وقت واحد في تاريخ حزب الاستقلال. بعدما كان أصغر أعضاء اللجنة التنفيذية عندما أصبح عضوا في اللجنة المركزية للحزب سنة 1965، وكذلك عندما انتخب في اللجنة التنفيذية في سنة 1975.
وكان المبرر الذي ساقه الفاسي وأعمدة حزب الاستقلال من أجل الإبقاء عليه أمينا عاما هو حرص الحزب على الاحتفاظ بمنصب الوزير الأول. مع ما أثاره ذلك من احتجاجات داخلية، بعضها كان صامتا، مثل استقالة محمد العربي المساري من اللجنة التنفيذية. وتعبير امحمد الخليفة عن معارضته للإجراء، بل وطموحه إلى تولي القيادة أيضا. فيما كان للنقابة التابعة للحزب، الاتحاد العام للشغالين، دور مركزي في دعم عباس الفاسي وإبقائه أمينا عاما.
بالمقابل، ظل عباس الفاسي يتفرج على أغلبيته البرلمانية التي أخذت في التآكل منذ أول يوم لتشكيل حكومته، حيث راح الفريق البرلماني للأصالة والمعاصرة يلتهم البرلمانيين الرحل من جميع الأحزاب والتيارات، ودخل في تحالف مرحلي مع حزب التجمع الوطني للأحرار. وكان هذا الفريق، الذي فاق الأربعين نائبا في ظرف قياسي، ركيزة أساسية في الحفاظ على أغلبية حكومة عباس الفاسي، الذي تخلى عن دعم فريق الحركة الشعبية الذي كان ضمن الأغلبية السابقة التي قال عباس الفاسي إنها هي نفسها التي فازت بانتخابات 2007، إلى أن فوجئ بقرار حزب الأصالة والمعاصرة سحب دعمه للحكومة قبيل الانتخابات الجماعية الأخيرة، وأصبحت بذلك حكومته حكومة أقلية. فكان من بين تداعيات ذلك عجز عباس الفاسي عن التنسيق بين مكونات أغلبيته لتقديم مرشح مشترك لرئاسة مجلس المستشارين، والتي فاز بها محمد الشيخ بيد الله، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة.
والتفاعلات المستمرة داخل مكونات التحالف الحكومي، خاصة منها النقاش الدائم داخل أجهزة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حول انسحاب محتمل من الحكومة، بالإضافة إلى توجه حزب التقدم والاشتراكية إلى تأسيس قطب يساري جديد مع كل من جبهة القوى الديمقراطية والحزب العمالي، كلها عوامل تزيد من إضعاف حكومة عباس الفاسي واحتمالات انهيارها، قبل الانتخابات التشريعية المقبلة.


خوصي لويس ثباتيرو أصبح "خوصي ماريا أثنار" وحوادث التصريحات بلا حدود
لسان الوزير الأول.. "لسان ما فيه عظم"

في أحد الحوارات التي أجراها، بعد مرور سنة على تعيينه وزيرا أول بعد اقتراع شتنبر 2001، مع أسبوعية فرنسية أكد الوزير الأول عباس الفاسي أنه في صحة جيدة ويشتغل كثيرا ويحس بنفسه في وضعية جيدة كوزير أول، مضيفا أنه يمارس رياضة المشي ثلاثة أيام في الأسبوع ويحدث أن يتغلب أحيانا على من يمارسون معه تمارين المشي، مشددا على أنه "في حالة ما إذا كنت أعاني من أي عائق فإنني سأطلب التنحي من المهام الموكولة إلي دون تردد، لأن تدبير الشأن العام مقدس". غير أن عباس الفاسي يدرك أن صفته كوزير أول ليست سوى تكريس لمسار سياسي انطلق في السبعينيات، وأن القصر يستمر في توجيه كل شيء من خلال التعامل مباشرة مع الوزراء التقنوقراط. الأسبوعية الفرنسية ذاتها، "جون أفريك"، عادت قبل أسابيع لتخصص ملفا حول المغرب، تضمن بورتريهات لخمسين شخصية اعتبرتها المجلة "ذات تأثير سياسي كبير في المغرب"، ولم يكن الوزير الأول عباس الفاسي ضمن تلك اللائحة في تقدير "جون أفريك". ما يعني أن الوزير الأول عباس الفاسي مازال مثيرا للجدل والنقاش حول تأثيره الحقيقي، وظل الوحيد من بين الوزراء الأوائل في المغرب الذي أثار هذا الجدل منذ تعيينه، لاسيما أن البرنامج الذي ما فتئ يدافع عنه هو مجرد استكمال لأوراش ومشاريع انطلقت خلال فترة تسيير وزراء أولين سابقين، خاصة منهم التقنوقراطي إدريس جطو.
الصورة المرسومة عن الوزير الأول لم تزدها فلتات لسانه وخرجاته الإعلامية إلا ترسيخا، وما كان الفاسي يخرج ليكذبه لم يكن يزداد إلا تأكيدا، فأكد أن المغرب ليس هو بريطانيا وأن المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك يمكنه أن يتحفظ على قرارات المجلس الحكومي الذي يترأسه الوزير الأول، واعتبر أن دوره في الشؤون الخارجية هو تمثيل "جلالة الملك في العديد من القمم واستقبال المسؤولين الأجانب أثناء زيارتهم للمغرب"، مضيفا أنه لا يحس أبدا بأنه مهمش، رغم اعترافه بأن "صاحب الجلالة هو من يتحكم في أجندة انعقاد المجلس الوزاري".
فبالإضافة إلى سوء التقدير في الأبعاد السياسية لبعض تلك التصريحات، والتسرع في نفي الحقائق الواضحة كما وقع في أحداث سيدي إيفني سنة 2008، والتي نفى وقوعها جملة وتفصيلا؛ فإن بعض المناسبات حملت زلات لسان عباس الفاسي في أوضاع لا تحتمل الخطأ، مثل تلك الزلة التي ارتكبها في ندوة صحفية مشتركة مع رئيس الوزراء الإسباني خوصي لويس ثباتيرو، حيث خاطب هذا الأخير باسم خوصي ماريا أثنار ثم خوصي ماري أثنار متبوعا بضحكة غريبة وتعليق باللغة الفرنسية بقوله "أعتقد هذا"، وهو التصريح الذي تم أمام أنظار عدسات القنوات التلفزيونية الإسبانية والدولية.
وفي أحد حواراته الصحفية النادرة، أسهب الفاسي في شرح أطوار تشكيل حكومته، وقال بصريح العبارة إن القصر الملكي لم يعترض "سوى" على اسم واحد من الأسماء الاستقلالية التي اقترحها للاستوزار، بل إنه كشف هوية المعني بالفيتو الملكي، وهو أحد أبرز قادة شبيبة وإعلام الحزب، والذي كان قد تلقى تأكيدات من الوزير الأول المعين بحمله حقيبة الشباب والرياضة في الحكومة الجديدة. فيما عبر الوزير الأول عن افتخاره الكبير بتوفره على هاتف محمول يتلقى فيه خصيصا المكالمات الملكية.


صعوبات تشكيل الفريق الحكومي تلتها مشاكل الحفاظ على تماسك الأغلبية
الوزير الأول في حكومة "سيدنا قدر"

رغم عزوف المغاربة الواضح عن التوجه إلى مكاتب الاقتراع في انتخابات 07 شتنبر 2007، شكل تعيين الملك للأمين العام لحزب الاستقلال، عباس الفاسي، وزيرا أول عودة إلى "المنهجية الديمقراطية"، باعتباره زعيم الحزب الذي احتل المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، وهو ما قرأ فيه البعض انتصارا للديمقراطية، في جانبها المسطري على الأقل. وبدا أن القرار قد يؤسس لعرف الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والنتائج التي تفرزها، بعد التراجع الذي شكله تعيين إدريس جطو وزيرا أول، في انتخابات 2002، خلفا لعبد الرحمان اليوسفي.
وعلى الرغم أيضا من الصعوبة التي طالت عملية تشكيل حكومة عباس الفاسي، وقيامها على تحالفات هشة تتجاذبها تناقضات الحلفاء الأعداء، خاصة منهم حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعدم وضوح الهوية الإيديولوجية للتحالف المشكل للأغلبية، فإنها تبقى تمرينا ديمقراطيا وسياسيا، تمارس فيه الحكومة، نظريا وحسب المقتضيات الدستورية، السلطة التنفيذية، بالإضافة إلى الجزء الرئيس من العمل التشريعي بالمملكة، باعتبار أن جل النصوص القانونية التي يصادق عليها البرلمان تأتي عبر مشاريع قوانين تقدمها مختلف القطاعات الحكومية.
الحكومة الحالية تتميز بكونها تحت رئاسة وزير أول ينتمي إلى حزب الاستقلال، وهو الحزب الذي ظل يحلم بهذا المنصب منذ رحيل الحماية الفرنسية. وعلى الجانب الآخر من التحالف الحكومي يقبع وزراء منحدرون من الاتحاد الاشتراكي، المعارض التاريخي الأول سابقا، بل إن الكاتب الأول لهذا الحزب يتولى حقيبة وزارة العدل، إحدى وزارات السيادة إلى وقت قريب. كما تضم التشكيلة الحكومية عددا من الوزراء الشباب، والذين يمثلون جيلا جديدا، حيويا وديناميكيا، يعكس صورة الملك "الشاب" داخل تشكيلة حكومته.
لكن روايات متواترة، تعود إلى ليلة القدر من شهر رمضان الذي سبق تشكيل حكومة عباس الفاسي، تقول إن أحد مستشاري الملك جاء إلى المسجد الذي أقيمت فيه تلك الليلة رسميا بمدينة فاس، حاملا في جيبه ورقة تضم لائحة الوزراء الذين "يقترحهم" المستشار الملكي على الفاسي كي "يقترحهم" بدوره على الملك. رواية كانت قد اضطرت المستشارين الملكيين اللذين تردد اسماهما في كواليس تشكيل الحكومة، وهما محمد معتصم ومزيان بلفقيه، إلى الخروج في حوارين صحافيين. حيث قال مزيان بلفقيه إن الحكومة تستند إلى أغلبية أفرزتها صناديق الاقتراع، "وقد تم تعيين أعضائها من طرف صاحب الجلالة، على إثر المشاورات الموسعة التي أجراها الوزير الأول".
تبرير لم يكن ليبدد كل السوابق التي تراكمت وأثبتت طول الأيدي التي تتحرك من خلف الستار، سواء أثناء تشكيل الحكومة، من خلال فرض أسماء وإقحام أخرى عن طريق إلباسها انتماءات حزبية في آخر لحظة، أو بإبعاد حزب مثل الحركة الشعبية، بدا كما لو أنه يرفع سقف طموحاته.
فقد وجد الوزير الأول المعين عباس الفاسي صعوبة كبيرة في تشكيل فريقه الحكومي دون تدخل مستشاري الملك محمد معتصم ومزيان بلفقيه، كما تم استوزار شخصيات من خارج الاستشارات التي أجراها الوزير الأول المعين مع مكونات "أغلبيته" الحكومية التي كانت في طور التشكيل، فيما تم توزيع الحقائب الوزارية حسب منطق حقائب السيادة وحقائب التقنوقراط وحقائب الأحزاب السياسية. ولم يكن أمام عباس الفاسي إلا انتظار "سيدنا قدر" حتى تسقط عليه التشكيلة النهائية لفريقه الحكومي من السماء، ويلتقطها مستشار الملك مزيان بلفقيه، قبل أن يتنفس عباس الفاسي الصعداء لتنتهي "معاناته" مع تشكيل الحكومة وتبدأ صعوبات وإكراهات تدبير الشأن العام.
أكثر من ذلك، فشل عباس الفاسي بصفته وزيرا أول في الحفاظ على تماسك الأغلبية التي يقود من خلالها العمل الحكومي، وتبين أن ثمة أغلبيات وليس أغلبية واحدة داخل حكومة ليلة القدر. فهناك أغلبية المستشارين الملكيين، من خلال وزارات السيادة التي لا يمكن لأي من الوزراء الأولين الذين تعاقبوا على تسيير الحكومات في المغرب أن يدعوا أنهم كانوا يتحكمون أو يراقبون ما يقع داخلها، وهناك أغلبية نظرية تضم وزراء الأحزاب السياسية التي تشكل الأغلبية الحالية، وهناك أغلبية حقيقية ظهرت قوتها خلال انتخاب رئيس مجلس المستشارين من حزب معارض، على الرغم من وجود مرشح مشترك للأغلبية الحكومية.


الفاسي عبّر عن اعتزازه بالتصحيح الملكي الذي ألغى أحد مراسيمه
بلاغ ملكي "يصحح" خطأ الوزير الأول

بعد أيام من القرار الملكي الاستثنائي القاضي بإعفاء أحمد الخريف، المنتمي إلى حزب الاستقلال،، صدر بلاغ آخر عن الديوان الملكي، وتحديدا يوم الأحد 30/12/2008، أكد فيه "جلالة الملك محمد السادس على الحفاظ على صلاحيات وكالات التنمية لأقاليم شمال وجنوب وشرق المغرب"، وهو ما يعني إلغاء مرسوم صادر عن الوزير الأول، نص على إلحاق هذه الوكالات بوصاية وزير الإسكان والتنمية المجالية، الاستقلالي أحمد توفيق احجيرة. وفي الحيثيات التي صاحبت البلاغ تم التأكيد على "استقلالية" الوكالات المذكورة و"تدعيم عملها بمجموعة من الإجراءات التي ستمكن من تفعيل دورها التحفيزي ومواكبة الأوراش المفتوحة وتكامل دورها مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية".
قد يبدو البلاغ في قراءته الأولى عاديا، يندرج ضمن سلسلة من التوجيهات الملكية التي تؤطر العمل الحكومي، لكن مضمونه القاضي بإلغاء مرسوم الوزير الأول أبان عن مركزية في صنع القرار يتميز بها الملك وحده، وتكشف عدم قدرة الحكومة على التمسك بقراراتها، وإن كانت مرتبطة بإسناد بعض التفويضات التي تدخل في شكليات العمل الإداري أو الاختصاصات الممنوحة هنا وهناك. ليخرج عباس الفاسي، في أحد لقاءاته النادرة بالصحافة، ويعتبر البلاغ الملكي "تصحيحا" لخطأ ارتكبته الحكومة، وقال إنه "سعيد" بهذا التصحيح الملكي. غير أن سلطات ونفوذ "حكومة الظل" لا يقتصران على اختيار الوزراء وتزكيتهم، بل إن جل السلطات المطلقة والواسعة التي يحوزها الملك بفعل الدستور تمارس بواسطة مستشارين وهيئات "مستقلة" تابعة للديوان الملكي، ومراكز نفوذ متعددة. وهي الهيئات والمراكز التي تكاد تفرغ حكومة الواجهة من معناها، خاصة عندما تسحب منها اختصاص التعيين في المناصب السامية، واختيار أفراد جيش الولاة والعمال.


عباس الفاسي لاذ بالصمت ونأى بنفسه عن التعليق على إقالة وزير من حكومته
الملك يقيل وزيرا من حزب الوزير الأول


فوجئ الرأي العام، أواخر عام 2008، بصدور بلاغ رسمي يعلن إعفاء الملك محمد السادس لأحمد لخريف، كاتب الدولة في الخارجية والتعاون، المنحدر من الأقاليم الصحراوية والمنتمي إلى حزب الوزير الأول، حزب الاستقلال. والمبرر الذي ساقه البلاغ الرسمي تمثل في علم "حكومة صاحب الجلالة" بأن السلطات الإسبانية "شرعت، منذ عدة شهور، في منح الجنسية الإسبانية للعديد من سامي المسؤولين المغاربة، وأن هذا الإجراء قد يجد تبريره في مسؤولية إسبانيا عن مناطق من المملكة المغربية كانت تخضع للحماية الإسبانية، وفي هذا السياق، قرر صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أيده الله، إنهاء مهمة السيد أحمد لخريف، ككاتب للدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون".
الوزير الأول، الذي يفترض فيه قيادة الفريق الحكومي بعد اقتراحه، لم يخرج عن صمته ليشرح ملابسات القرار الملكي، ويوضح ما إن كان قد اطلع على قرار الإقالة قبل أن يتوصل وزيره بتلك المكالمة الصاعقة التي أبلغته بقرار إعفائه من مسؤوليته الحكومية، وطبيعة الإشكال الذي سببته الجنسية الإسبانية المفترضة لأحد وزرائه، وما إن كان الأمر يتعلق بقرار استراتيجي سيشمل جميع المسؤولين الكبار الحاملين لجنسيات أجنبية. بل إن الوزير الأول لم يعبأ بمسؤوليته السياسية في إعلان موقفه مما يفترض أن أحد وزرائه في الحكومة قد أقدم عليه، علاوة على كون هذا الوزير ينتمي إلى حزب الاستقلال الذي يتزعمه الفاسي. لتتناسل الروايات التي اعتبرها البعض أسبابا خفية للقرار الملكي، من قبيل ربطه بالمشاكل التي عرفها ملف العودة الجماعية لما يفوق 100 صحراوي إلى أرض المغرب بعد انعقاد مؤتمر «اكجيجيمات» شهر دجنبر 2007، وبطء مسلسل تدبير عملية إدماج العائدين، والتكاليف الكبيرة لعملية إيوائهم المؤقت في أحد الفنادق. والحديث هنا عن كلفة إقامة ما يفوق مائة شخص في الفندق لما يناهز سنة كاملة. بالإضافة إلى مصاريف «قائد» العائدين، حمّاد ولد درويش، الذي أقام بدوره في أحد أفخم فنادق العاصمة، وتأخر الحسم في المنصب الذي قد يشغله. أما عملية بناء المنازل الجديدة ومنحها للعائدين، فبالإضافة إلى كلفتها العالية، فهي تثير احتجاج سكان المنطقة التي تعتبر نفسها أولى من غيرها، بل إن فئات من العائدين السابقين إلى أرض الوطن عبرت عن امتعاضها من هذا التعامل التفضيلي مع عائدي "اكجيجيمات".


*أخبار اليوم المغربية