الأصولية الإسلامية والديمقراطية


الأصولية الإسلامية والديمقراطية
خالد قدومي


ليس العجب أن يؤمن الإنسان المصري القديم أن الفراعنة آلهة
ولكن العجب هو أن يؤمن الفرعون أنه حقا إلــه
"نجيب محفوظ"

تثير الأحداث و التحولات التي تشهدهما بعض الدول المنتمية الى العالم الاسلامي تساؤلات جوهرية ، جلها تتمحور حول الاسلام والديمقراطية وأيهما أنسب لتربتنا ؟ بل يجتهد البعض في سبل الجمع بينهما رغم أن ذلك أقرب الى المستحيل ، لأننا نكون امام وضعية شائكة، يتشابك فيها ماهو أصولي عقائدي بواقع لا يتحمل انتظار المعجزات الميتافزيقية لاسعاد الانسان -1- .هذا الانسان أنتج الديمقراطية عبر صيرورة تاريخية جرب فيها أنماط متعددة من وسائل الحكم باءت كلها بالفشل بدءا بالحكم باسم الله وانتهاءا بالحكم باسم الحاكم -2- . ومع ذلك تصر الأصولية الاسلامية على تقديم نفسها كبديل أزلي تستوحي نمط حكمها من الارادة الالهية ! وبالتالي فهي الحارسة الامينة للعقيدة ، وضامنة الصفاءالايديولوجي من خلال محاربتها للافكار الدخيلة والغريبة عن الدين الاسلامي !
الأصولية الاسلامية ونفي الاخر :
في البداية يجب التمييز بين الاسلام كعقيدة سمحاء والاصولية الاسلامية كممارسة وتأويل . ومن أسباب نزول الاسلام هو ردع ما شاب الديانات السماوية من تحريف وشرك ، خاصة المسيحية التي جعلت من البابا خليفة الله في الأرض، تصل قدراته ( المقدسة ) الى حد ضمان الجنة لمن شاء!(صكوك الغفران ). وقد كان الرسول (ص) يدعو الله ليستجيب لدعاءه ، ولم يدع أبدا أنه وحده الكفيل بالاستجابة لأي مراد يبتغيه ، رغم أنه مخير من عند خالقه سبحانه تعالى .لكن للأسف ، تصر الاصولية الاسلامية على انها تمتلك الحقيقة المطلقة ، وتكفر من يشكك في ادعاءاتها ، أما ان تجرأ وأنكرها ، فدمه مباح ولنا أمثلة على ذلك :حسين مروة ، فرج فودة .....
-3- اذن الاصولية الاسلامية تتبنى العنف المؤسس لأنها تعمل بمبدأ التحريم الذي هو في جوهره عنف مقدس .كما تدعو صراحة الى اعادة احياءوتحيين لتجربة تراها مقدسة (صدر الاسلام )رغم أنها الفترة التي أنتجت الفتنة الكبرىبين المبشرين بالجنة !(واقعة الجمل بين علي وعائشة رضي الله عنهما التي قتل فيها الكثير من الصحابة . (حقا أن التاريخ يجرح والاسطورة تداوي ) )لذلك ليس غريبا أن ترى في نفسها مايراه أورتدوكس اليهود في أنفسهم : شعب الله المختار ! ومايراه أيضا أصحاب مذهب العصمة التوحيدية
-4- بل ولا ترى مانعا من الاستعانة بالايديولوجيا المكيافيلية وعلى رأسها الفكر الانقلابي الذي تتخذه كوسيلة ، مادامت غايتهم نبيلة ! تهدف الى تحكيم شرع الله ( مشاركة الحزب القومي الاسلامي السوداني برئاسة حسن الترابي في الانقلاب العسكري الذي قاده عمر البشير). ونفس الشيءينطبق على الديمقراطية وتعاملهم الانتهازي معها ،فهم يتخذونها كوسيلة تكتيكية خاصة ان كانوا في موقع ضعف ، وهذا ماعبر عنه الرجل الثاني في حركة النهضة الاسلامية بتونس عبد الفتاح مورو أيام تعرضهم صحبة اليساريين للقمع من طرف نظام بنعلي البوليسي ، قال صراحة : نحن مع الديمقراطية اذاتعلق الامر بنا ، أما اذاتعلق الأمر بغيرنا – يقصد اليسار – فلنلتزم الصمت !.
ولاعجب في كونهم لايرون في الديمقراطية الا ذلك الصندوق الاقتراعي الذي يجب أن ينقرض بمجرد وصولهم الى سدة الحكم ( مصر خير نموذج) فلا اقتراع في ظل الامارة الاسلامية ، لان الحاكم ينتقى بينهم بالتشاور !ويشترط أن يكون ذكرا ‘ أوليست المرأة ناقصة عقل ودين ، وواجبها الطاعة والبيعة التامة للذكر المسؤول الأول والأخير عن الأسرة ! وقد يقول قائل أن بعض التيارات الاصولية تتأقلم مع الديمقراطية وتعمل على التمييز بين الخطاب السياسي و الخطاب الديني الارشادي ، كحال الحزب الأصولي الحاكم بالمغرب ( حزب العدالة والتنمية ) والجمعية التابعة له (حركة التوحيد والاصلاح). ورفعا لكل التباس يصيب أولئك الذين يتبجحون بالاستثناء المغربي ، لابد من العودة الى النشأة المشبوهة للتيارات الاصولية بالمغرب ، والتي جاءت كرد فعل من السلطة الحاكمة ، بمباركة سعودية أمريكية ، على تنامي المد الديمقراطي التقدمي .
البداية كانت مع الشبيبة الاسلامية التي احتضنها خادم الاعتاب الشريفة المرحوم الدكتور الخطيب ! وقد دشنت ولادتها باغتيالها للقائد اليساري عمر بن جلون ( الكلمة في منطقهم تجابه بالرصاصة ) بعدما عجزت المخابرات المغربية أكثر من مرة على تصفيته ( حادثة الطرد الملغوم مثلا ) .اما عن المسار ، فحدث ولا حرج .حدث عن انزالاتهم بالجامعات المغربية وكيف يسممون عقول بعض المواطنين البسطاء كي يشاركونهم الجهاد في الطلبة الكفار ! ( اغتيالهم للشهيد ايت مجيد بنعيسى ) حدث عن سعيهم الدؤوب لاستئصال الامازيغية وذلك بالحكم على المدافعين عنها بالردة والعمالة للكفار و الصهاينة خاصة وأن الحقوقر الاثنية واللغوية بدعة ابتكرها الغرب ليفرق فيما بين المسلمين !
حدث عن محاربتهم للعمل النقابي و ربطه بالشيوعية الملحدة ، وحين أحسوا بفشلهم في اقناع العمال بمصداقية هرطقتهم لجأوا الى تأٍسيس منظمة نقابية صورية !. حدث عن استعمالهم لطرق مشينة قصد الفوز بالمقاعد البرلمانية ، فوصل بهم ألأمر الى حد ترهيب المواطن نفسيا ان صوت على مرشح منافس لهم ، اذاك يتوعدونه بجهنم وبئس المصير ! أما عن رئاستهم اللارئاسية للحكومة في ظل شروط الدستور المغربي الجديد فحدث . حدث عن الزيادات المهولة في الاسعار ، حدث عن قمع الحريات العامة وتلاشي الحريات الفردية ، حدث عن ازدواجية الخطاب ( رغم ان الاسلام يتوعد المنافقين ولا صلة لأهل السنة بالتقية ) ، خطاب تكفيري جهادي تسوقه الجمعية في أكثر من مناسبة لربح رضى المتشددين ، وخطاب اخر شعبوي معسول يوظغه الحزب ، فيه من الأمنيات مالا يحصى ، هدفه الأول استقطاب أكبر عدد ممكن من الجماهير كي يستخدموا مستقبلا كدروع بشرية في حال أجبرت الادولة المغربية على الارتقاءالى مستوى الديمقراطــــــــــــــية الحقيقية -5-
الديمقراطية الحقيقية هي الحل :
من الضروري ، اذا ، عرض القيم الاساسية المنشودة في الديمقراطية الحقيقية ، التي هي بمثابة الصلة الوثيقة بالنظام الديمقراطي ، والتي يجب اقرارها واحترامها وتوسيعها وهي :
أولا الحرية بشقيها العام والفردي : فالحريات العامة تتضمن في جوهرها حرية التعبير وحرية الاعلام وحرية التجمع السلمي وحرية التنظيم ، والترشح ، والانتخاب ... أما الحريات الفردية فهي تشمل الحق في الحياة ، وحرية الاعتقاد واللااعتقاد الديني ، وحرية الثقافة والافكار ...
ثانيا العلمانية : وهي لا تعادي الدين او المتدين ، ولكنها ترسم حدود التمايز والفصل بين مجالي الدين والسياسة. وتؤكد العلمانية على حياد الدولة تجاه كل الديانات والمعتقدات لان هدفها الاسمى سيادة التعايش الديني والتسامح بين الديانات ( الدين لله والوطن للجميع )
ثالثا العدالة الاجتماعية : وتشمل حاجات الانسان الاساسية للعيش الكريم ( لأن من لايملك قوته ، لا يملك حرية قراره ) منها الصحة ، التعليم ، التقاعد ، المساواة التامة امام القانون وفي المواطنة دون تمييز في الجنس والعرق والدين والمذهب .
لماذانصر على ان الديمقراطية الحقيقية هي الحل ؟ لانها كمبدأ وطريقة حكم وقيم مرتبطة جميعها بحقوق الانسان الاساسية ، الهادفة الى أنسنة الانسان . ففي ظلها يدبر اختلاف الرؤى والافكار بطرق مرنة وعقلانية ، فحتى الاحتكام الى منطق الاغلبية والاقلية لا يقلل منة شأن المنهزم في صناديق الاقتراع ، لان الديمقراطية الحقيقية تصونه ولا تلغيه ، بل تفتح له المجال للتعبير مجددا عن ارائه والترويج لها ، في افق قد يجعل منه أغلبية .
ان الديمقراطية الحقيقية تعلم الشعوب كيف تـأخذ مصيرها بيدها بلا وصاية ولا حجر ، وتحرر العقول نحو العلم والمعرفة درءا لكل الاصوليات السياسية الغيبية المتخبطة في دوامة الدم والنار .نعم ، الديمقراطية الحقيقية هي المستقبل ، والمستقبل هو الى الامام الى الامام لا الى الوراء .

كاتب وفاعل جمعوي
الناظور - المغرب
________________________________________
1- كان فيور بيطو رئيس الكنائس الشعبية في أمريكا اللاتينية يتصدى صراحة لأصحاب الايديولوجيا الغيبية حين تطرح عليه أسئلة من قبيل : هل الروح خالدة ؟ فيجيب : لماذا تسألونني هل الروح خالدة ونحن نعلم جيدا أن الجوع مميت .
2- يجب أن لايغيب عن ذهننا أن الغرب بعلمائه وكتابه وساسته ...خاضوا صراعا مريرا مع أصحاب العقلية الدينية الرجعية قرابة ثلاثة قرون قبل أن ينتصروا انتصارا حاسما ، ودرءا بلكل رجعية قد يبتلون بها مستقبلا اهتدوا الى العلمانية التي أفرزت في أوج مراحلها الديمقراطية ولولاهما لما كانت لهم قائمة بين الأمم .
3- لا أتذكر من قال : لم يسبق لفيلسوف أن أمر بقتل رجل دين ، لكن رجل الدين أمر بقتل الكثير من الفلاسفة .
4- أصحاب مذهب العصمة التوحيدية يعتقدون أن الله يتحدث مباشرة الى الكائن البشري ، وعليه فان ذلك الشخص لا يعود يتحمل أي نقاش ويكون على قناعة تامة بانه على حق (ادوار سعيد). وحركة العدل والاحسان المغربية كانت ترى في مرشدها الروحي المرحوم عبد السلام ياسين مايوازي العصمة التوحيدية ، وحديثه عن رؤاه في المنام يصب في هذا المنحى .
5- الخطة الوطنية لادماج المرأة شاهدة على انتهازيتهم في تجييش الحشود البشرية وحثهم على محاربتها بدعوى انها تتنافى مع تعاليم الاسلام



1.أرسلت من قبل ABDELLAH AABIDI في 11/10/2013 18:22
OK