الإسلام باعتباره مكونا ثابتا في الذات الأمازيغية


الإسلام باعتباره مكونا ثابتا في الذات الأمازيغية
 
بقلم/التجاني بولعوالي*
 
إن الفهم السليم لأية قضية لا يبدأ إلا من التعامل الشمولي مع سائر مكوناتها، مع مراعاة السياق الذي تنتظم فيه؛ زمانا ومكانا، ظرفا وتربة، ومجرد الاستغناء المقصود عن مكون ما، يجعل ذلك التعامل مرتجا، ومجرد الفصل الجانبي أو الكلي للقضية عن سياقها، يوقعنا في مأزق الإسقاط العشوائي. هذا التفسير ذاته ينطبق على القضية الأمازيغية، التي ينبغي أثناء تناولها الانضباط إلى عنصري الشمولية ومراعاة السياق.
إن التعامل مع القضية الأمازيغية يتوجب أن يتم في شمولية، فلا يُقصَى مكون منها لصالح مكون آخر، ولا يُغيب جانب منها، كيفما كان السبب. ثم يراعى السياق العام الذي تندرج فيه، بكل مستوياته الثقافية والبشرية والتراثية والتاريخية وغير ذلك، وهذا معناه أن الأمازيغية تؤخذ كلها! مما يقتضي منا أن نسعى إلى كل ما هو أمازيغي، عموديا أو أفقيا، تاريخا أو واقعا، استلهاما أو محاولة فهم، وريثما تتأتى لنا تلك الشمولية الغائبة لدى أغلب التيارات الفكرية والسياسية الأمازيغية، تصبح في حوزتنا كل المعطيات الضرورية التي نستند إليها قصد تشكيل صورة متكاملة حول الأمازيغية، وهذه المعطيات تتسع لتشمل مختلف العناصر الثابتة، مثل الانتماء واللغة والعقيدة والثقافة وغيرها، وهي تتضافر برمتها لنسج الهوية الحقيقية للإنسان الأمازيغي، ومجرد الافتقار إلى عنصر معين يجعل تلك الهوية هشة وغير مكتملة.
والظاهر أن الأمازيغية هي أكبر من أن تختزل في حرف تيفيناغ، أو غيره من المكونات الفلكلورية البارزة، في حين تهمش مكونات أخرى، التي وإن كان التاريخ يشهد بأنها أجنبية وافدة، فإن هذا لا يعني أن الثقافة الأمازيغية أحجمت عنها، بقدر ما احتضنتها، فاكتسبت مع مرور الأيام بعدا ذاتيا ثابتا ضمن الهوية الأمازيغية، كما هو حال العقيدة الإسلامية والثقافة العربية، غير أن ذلك البعد الذاتي الثابت ينعكس على الإسلام أكثر منه على العروبة، لأن الأول كان الغاية، أما الثاني فكان الوسيلة، فبمجرد ما تحققت تلك الغاية في نفوس الأمازيغ فتمتّنت، تسربت إلى هويتهم الأصلية، فانضافت إلى مقوماتها، في حين ظلت العروبة مجرد وسيلة تخدم الإسلام، يمكنها أن تستمر، ويمكنها أن تتوقف، كما جرى لدى الكثير من الشعوب غير العربية المسلمة التي استغنت عن العربية، لتخدم الإسلام بلغاتها الأصلية.
لكن هذا قد لا ينطبق بالدرجة ذاتها على حالة شمال أفريقيا، مادام أن العربية تمكنت من أن تخلق لها حيزا هاما داخل المجتمعات المغاربية. حقا إن ذلك تم، أحيانا، بطريقة متعسفة على حساب الثقافة الأصلية، مغيبا أو ماسخا أو طامسا إياها، إلا أن الموضوعية تقتضي منا أن لا نتجاوز الكائن، فالعربية تحضر بشكل لافت ضمن الواقع المغربي، والتمازج الحضاري الذي تم بين العرب والأمازيغ أنتج لنا شخصية مغربية مسلمة جمعت، بوعي منها أو بلا وعي، بين الأمازيغية والعروبة، إلى درجة أننا كثيرا ما نفشل في أن نحدد العربي من الأمازيغي أو العكس؛ فكم واحد اعتبرناه عربيا، في حين أنه أمازيغي مُعرّب، وكم واحد حسبناه أمازيغيا، في حين أنه عربي مُمزّغ!
وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على أننا لن ندنو من الصواب، إلا إذا تحدثنا عن هوية مغربية أو مغاربية أمازيغية مسلمة، تتركب من شتى المكونات كالأمازيغية والإسلام، وأحيانا من بعض أشكال الثقافة العربية والإفريقية التي تسللت إليها عبر اختلاط الأجناس وتصاهرها، أما أن نتحدث عن هوية أمازيغية صرفة، فهذا من باب اللا كائن الذي يتخطى السياق ويجانب الشمولية، وإن نحن جاريناه أثناء بحثنا، كانت الحصيلة منه اللا مُمكن، وهذا ما سقطت فيه الكثير من الدراسات التي سعت جاهدة إلى أن تثبت فرضية الهوية الأمازيغية الأحادية المحضة، غير مكترثة بما توصل إليه علم الاجتماع المعاصر، الذي أصبح ينظر للهوية المتعددة، أو لهوية بضمير الجمع، إذ يمكن لك أن تكون أمازيغيا، وفي الوقت ذاته مسلما وأفريقيا وأوروبيا (بالنسبة لأجيال الهجرة الأخيرة!)، وغير ذلك.
على هذا الأساس، نخلص إلى أن الأمازيغية لم تبق على هيئتها الأولى، التي كانت سائدة قبل الفتح الإسلامي، وإنما شهدت تحولات عميقة استطاعت أن تنفذ حتى إلى ما هو ثابت فيها، كالهوية التي انضاف إليها عنصر الإسلام، فأصبح يشكل فيها مقوما رئيسا، لا يمكن تجاوزه كما يزعم بعض المثقفين، لأنه معضد من قبل شتى العوامل التاريخية والواقعية والثقافية، ثم إن تمكن الإسلام العميق من الشعوب الأمازيغية، يترجم مدى أهميته في حياتهم، حتى صار بمثابة المركز الموجه لسائر ممارساتهم اليومية، فأصبح الطابع الإسلامي يحضر بشكل كثيف ودائم في بنية المجتمع الأمازيغي والمغربي، بل وتسرب حتى إلى بنية التفكير المهيمنة على ذلك المجتمع.     
 
(*) باحث وإعلامي مغربي مقيم في هولندا، متخصص في قضايا الإسلام والغرب.