الاحتلال الإسباني


الاحتلال الإسباني
ذ.الحبيب الشوباني


النقطة السياسية الوحيدة المضيئة في تصريح عباس الفاسي يوم الثلاثاء 17 ماي 2010 بمجلس النواب هي إثارته لموضوع الاحتلال الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية والجزر الأخرى، ومطالبته بفتح حوار مع مدريد من أجل إنهاء احتلالهما.

بالطبع من حقنا أن نتساءل عن جدوى هذه الإثارة إذا لم تكن مندرجة ضمن خطة وطنية قاصدة ومستمرة لصناعة رأي عام وطني ودولي ضاغط لمباشرة الحوار بشأن هذا الملف، الذي يدخل ضمن بقايا الاستعمار الإسباني في القارة الإفريقية. فالرد العنيف للمسؤولين الإسبان، والذي يعتبر أن "سيادة وإسبانية سبتة ومليلية ليستا محل نقاش"، وأن "المغرب يعرف هذا الموقف"! يطرح أكثر من تحدي على المغاربة قاطبة، وعلى المؤسسة التشريعية، وكذا التنفيذية، وعموم القوى الحية في البلاد لفتح نقاش عمومي حول استمرار الاحتلال الإسباني لجزء لا يتجزأ من التراب الوطني.

فكيف نفسر إذن منع تعليق لافتة من قبل مجلس جماعي قبالة معبر بني أنصار تشير إلى أن المتوجه إلى مليلية يتوجه إلى أرض محتلة؟

وكيف نفسر الصمت الحكومي عن احتجاج الدبلوماسية الإسبانية مجددا على تصريح الوزير الأول، وعلى استعمال كلمة "الثغور" في مراسلات دبلوماسية، ورفض التعليق على ذلك أو بيان موقف رسمي للرأي العام يحدد نوع التعاطي السياسي والدبلوماسي المطلوب مع ردود الفعل الإسبانية المتشنجة؟

إن ما يعلمه المغاربة علم اليقين هو أن هذه الثغور ثغور محتلة، وهي أرض مغربية زاخرة بالتاريخ وبمعالم الإنسية المغربية العريقة التي لا يمكن أن يمحو آثارها الاستعمار مهما امتد زمنه.

ولكن ما لا يعلمونه حقا هو لماذا لا تظهر ورقة ثغورنا المحتلة في السياسات الحكومية عندما يتعلق الأمر بما يسمى بالوضع المتقدم، والذي يخشى أن يكون طعما لتأبيد الصمت المغربي عن حقوقه التاريخية بشأن هذه الثغور التي هي جزء لا يتجزأ من المغرب؟

ما لا يعلمونه أيضا هو كيف لا يهتم إعلامنا العمومي، ولا ينخرط في إبراز جوانب الأسبنة الممنهجة لهذه الثغور في إطار تغيير المعالم الثقافية والحضارية وتهميش الحضور المغربي في أفق تلاشيه؟

ما لا يفهمونه أيضا هو كيف لا يتحرك المجتمع الحقوقي المغربي المشغول بكثير من القضايا الثانوية لتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، التي يعاني منها المغاربة في ثغورهم المحتلة، وكذا حول هذه الثغور أيضا بسبب السياسات الإسبانية الاحتلالية المنتهكة لهذه الحقوق؟

ما لا يفهمونه أيضا هو ضعف القدرة على التشبيك الثقافي والديني والمدني العام مع مغاربة الثغور المحتلة من أجل أن يصير حضورهم فينا وحضورنا فيهم من القوة والصلابة ما لا يمكن لأي سياسة استيطانية إحلالية أن تقهره وتمحوه من الذاكرة.

إن هذه التساؤلات ليست إلا بعض المحاور التي يمكن إذا صحت العزائم أن تكون عناوين ضمن استراتيجية وطنية شمولية لبذل جهود منظمة ومستمرة وهادفة لصناعة مناخ ملائم يفرض على الإسبان الاقتناع بأهمية أن التعايش مع المغاربة لا يمكن أن يكون سلميا ومفيدا للجميع إلا بالتخلي عن مخلفات الثقافة الاستعمارية البائدة ورد الحق لأصحابه.

*نائب برلماني ومدير نشر جريدة المصباح