"التواصل بين المجتمع المدني والبرلمان في بعض التجارب العالمية"


"التواصل بين المجتمع المدني والبرلمان في بعض التجارب العالمية"
 
ذ. نجيم مزيان
باحث في الدراسات الدستورية والسياسية
 
      هناك العديد من الصيغ الخاصة بمشاركة المجتمع المدني في أعمال المؤسسة التشريعية، سنحاول الوقوف عند أهمها لعلنا في الأخير نتمكن من القيام بالمقارنة المرجعية  ونعزز من سبل التواصل  والمشاركة بين المجتمع المدني والبرلمان:
البرلمان النيوزيلندي يوجه دعوة مفتوحة لتلقي ملاحظات المواطنين من جميع الجهات المعنية، أفرادا ومنظمات، من خلال الصحافة أو غيرها من وسائل الإعلام.
البرلمان التركي يعمل على توجيه الدعوة مباشرة إلى هيئات المجتمع المدني المعنية بموضوع التشريع المطروح للنقاش.
البرلمان التشيكي يداوم على عقد ما يسمى عادة "بجلسات الاستماع" التي تعتبر إحدى أكبر أشكال المشاركة المدنية شيوعا، هذه الجلسات التي تخصص للاستماع لممثلين عن القطاعات المدنية والمهنية المعنية بمشاريع القوانين المدروسة.
أما برلمانات سلوفينيا وروسيا البيضاء، وحرصا منها على مأسسة التواصل المدني البرلماني، فإنها تتوفر على مكتب اتصال مع المنظمات غير الحكومية، و مجالس استشارية مكونة من ممثلين للمجتمع المدني ولبعض الخبراء، وتشتغل هذه المجالس بالموازاة مع لجان دائمة، وفي بعض الحالات، فالبرلمان لا يقدم فقط ضمانات لتلقي ملاحظات المجتمع المدني، بل يسمح بتلقي آراء مكتوبة من قبل المواطنين، غير أنه في عدد قليل من البلدان تتخذ المشاركة المدنية في العمل البرلماني شكلا أكثر قوة كما هو الحال في الجمهورية اللبنانية وروسيا الاتحادية، ففي لبنان تأسس منذ سنة 1999 منتدى الحوار البرلماني وهو منظمة غير حكومية تهدف إلى نقل آراء واقتراحات المجتمع المدني إلى البرلمان وضمان توفير المعلومات للبرلماني حول برنامج المنظمات غير الحكومية وتنظيم أنشطة متبادلة بين هذه المنظمات واللجان البرلمانية.
 أما في روسيا الاتحادية فقد أقر مجلس الدوما خلال سنة 2005، قانونا ينظم "المجلس الشعبي لروسيا الاتحادية" باعتباره وسيطا بين المجتمع والسلطة التشريعية، يتألف من منظمات المجتمع المدني ويتولى مهمة تقييم المبادرات التشريعية من منطلق ما تحققه من مصلحة عامة .
و تتوفر جنوب إفريقيا منذ عام 2004، على مؤسسة تعقد بشكل سنوي لأهداف متشابهة، هي "المؤتمر الشعبي"، الذي يضم ممثلي قطاعات الشباب والنساء والمعاقين والعمال، الذين يتداولون في نقاش عمومي تبثه وسائل الإعلام مباشرة.
وفي فرنسا، وإذا كان المجتمع المدني لا يتوفر من الناحية القانونية والشكلية على القدرة على التدخل في العمل التشريعي، فإن هذا لا يمنعه من فن ممارسة تأثير غير مباشر على مجمل الدينامية البرلمانية، حيث غالبا ما يحرص البرلمانيون على معرفة آراء الخبراء والمعنيين داخل المجتمع المدني، اتجاه أي مشروع قانون أو ميزانية سنوية.
وفي نفس الاتجاه يمكن لمجلس النواب البلجيكي عقد جلسات للنقاش العمومي، قصد معرفة آراء ممثلي المجتمع المدني والخبراء.
أما "البوندستاغ" الألماني فيتوفر على سجل بجميع هيئات المجتمع المدني الراغبة في التعبير عن مصالحها والدفاع عنها.
     ويبدو جديرا بالملاحظة أن بعض القطاعات تحظى أكثر من غيرها بتواصل أكثر فعالية بين المجتمع المدني والبرلمانات، ولعل أبرزها يبقى متعلقا بالقضايا النسائية وبمسائل حقوق الإنسان.
     وهكذا ينظم البرلمان المكسيكي منذ عام 1998، بشكل سنوي "برلمان النساء" والذي يتألف من مشرعين فدراليين ومحليين فضلا عن نساء من المجتمع المدني، ويهدف هذا البرلمان إلى وضع توصيات مطروحة على الأجندة التشريعية المتعلقة بقضايا المساواة بين الرجل والمرأة، وفي نفس الاتجاه تقريبا، تعمل مبادرة الموازنة الخاصة بالنساء، في جنوب إفريقيا، على تعزيز تعاون مشرعين وفعاليات نسائية، لإدخال مقاربة النوع الاجتماعي، في بناء موازنة جنوب إفريقيا.
     أما قضايا حقوق الإنسان، فتبقى أكبر مجالات التواصل المدني البرلماني، والذي يتجلى أساسا في مدى انفتاح العديد من اللجان البرلمانية لحقوق الإنسان، على اقتراحات وتوصيات المجتمع المدني المعني بحقوق الإنسان.
وعلى العموم  يمكن إجمال الإجراءات والصيغ المفترض العمل بها ضمانا لتواصل أفضل بين المجتمع المدني والبرلمان، في قائمة من البنود سبق "لدليل الممارسة الجيدة" المعد من طرف الاتحاد البرلماني الدولي أن حددها فيما يلي :
     وجود سجل عام متاح للجمهور ويضم المنظمات غير الحكومية منظم حسب الموضوع اهتمام هذه المنظمات ومرتب أبجديا.
     وجود سجل خاص بالخبراء
     إجراء دعاية فعالة باستخدام وسائل الإعلام لإبلاغ الجمهور بمشروعات القانون، وجلسات الاستماع البرلمانية.
     توجيه دعوات إلى المنظمات والخبراء المعنيين، بمن فيهم الممثلون عن المجموعات المهمشة متى كان ذلك ملائما ليقدموا ملاحظاتهم أو يعرضوا أدلتهم.
     وضع إجراءات لطرح ملاحظات المواطنين من الأفراد للمناقشة.
     وجود سجل عام على شبكة الانترنيت يضم جميع الملاحظات المقدمة.
     تنظيم جلسات استماع في المراكز المحلية وإعداد ملخصات مكتوبة للأدلة الشفهية المقدمة.
ويبقى من الواضح أن الصيغ المذكورة أعلاه من مختلف التجارب المقارنة،لايجب أن تنسينا الامكانيات غير الشكلية للضغط على البرلمانيين أو الامكانيات التي تقدمها بعض الانظمة الدستورية التي تعطي للمواطنين المساهمة في العمل التشريعي وفقا لشروط محددة .