الريف...طال فينا الحداد


الريف...طال فينا الحداد


زلفى أشهبون

بعد فاجعة مركب المفرب الكبير "سوبر مارشي" لبسنا ثوب الحداد وتكحلت بروفايلاتنا بالاسود وزرنا اهل المركب وأخذنا بيننا العزاء.. حتى أننا جميعا زرنا قبر الشهيد نساءا ورجالا.. شيوخا واطفالا..رغم تعدد الاقوال في زيارة المرأة للقبور.. إلا انني زرت مقبرة اقتصاد الناظور وبكيت وصرخت واخذ مني الفقيد قطعة من قلبي واكيد من قلوبنا جميعا..

منذ ذلك اليوم / الاربعاء 25 يونيو، ونحن في حداد.. حداد طاله الصمت والاهمال وعدم المسؤولية في رفعه ورسم البهجة على وجوه اهل المدينة المنكوبة فعلا. انكبتنا ايادي الظالمين الناهشين لخيراتنا.. ايادي اللامواطنين في بلدي.. ايادي من خلف كل مكتب و ادارة و مجلس ليس ببلدي.. من عمروا الحسابات و عاشوا خارج نطاق التغطية التي تحتوينا.. كل دورة في سفر جديد.. وكل نكبة لنا اسف عن مراكز شاغرة تحتاج منا لرقية شرعية علنا نطرد منها الاشباح..

منذ ذلك اليوم ونحن في حداد وقد طال بنا الحزن واشتاقت البروفايلات لصورنا وصور الحياة والحب والجمال والالوان.. اشتقنا لصورة طفل جميل و صورة على الكورنيش والاضواء والمهرجان لنقول "لعام زين"..

اشتاق منا الاشقاء في بلاد العرب الى رفع الحداد لانه لا يجوز الحزن كثيرا ويقولون "الحي أبقى من الميت"..
وعندنا الميت اكثر من الحي.. وبيننا من يموت ولا يحيا.. وخلفنا من يعيش الرفاهية خارج المدينة وعلى حسابنا يحيا..

فيستمر الاسود في قلوبنا وذاكرتنا وصمتنا وبروفايلاتنا وذلك اضعف الايمان.

سوق باسم المغرب الكبير استصغرته قلة الامكانيات وسوء التدبير.. مغرب كبير باهله وتاريخه.. ونحن صناع التاريخ فيه.. صرنا بعد التاريخ، صناع الصمت وغض البصر "وحيد على راسي وشقف".. اوليسوا منا اولائك القابعين تحت حر شمس وعطش الصوم و"فقصة" الاهمال وتوقيف الاشغال في السوق.. أولم يحن الوقت ليتذكروا من توقف رزقه وانقطع دواؤه ولا ينتظر اكثر من التفاتة صغيرة..

وبدل الامل صارت المأساة حزن والم.. بدل انعقاد الدورات والاجتماع من اجل اصلاح ما فات.. تغيب النار وما جادت به من اجندة الاشغال.. فتنقطع الاشغال ويستمر الاقرار بتخريب المدينة.. ليقرر اغلاق المعلمة التاريخية بل و هدمها.. وبحجة السقوط بزوارها تنبنا المصالح وتمضى الاوراق ويرحل بنا التاريخ..

اولم تكن مثل هذه الدراسة احق بالسوق على معلمة خلفها الاستعمار وعاشت اكثر من قرن ولم تحركها الكوارث الطبيعية.. حتى تلوث البحيرة لم ينهش من اعمدتها سوى الصباغة لانها بنيت بالاصول فصارت مطمع الكوارث الاستثمارية..

الم يكن ترميم النادي البحري واصلاحه خير من هدمه.. كذلك الشأن لسوبر مارشي فقد زعموا هدمه لاعادة بناءه فزادوه خرابا وتركوه.. وسينتهي كما "سينما الريف" سابقا اذا ما استمر الصمت فينا..

فالى اين تمضي بنا المآسي والقرارات القاضية بالهدم.. الى اين ياخذنا المدعو طارق يحيى الذي انشغل عن كارثة النار التي لم تخمد بعد فينا ليقرر هدم النادي..

كلنا نعلم حجم المصالح البينية التي يستفيد منها كل من المجلس اللابلدي في شخصه طارق "الميت" -من الوطنية و حب البلد- و وكالة مارشيكا ..
مصالح تضر الساكنة ولا تنفع في شيء.. فمن يكون زارو ومن تكون الوكالة التي اخذت منا حق البناء والسكن والتاريخ.. فكم طرقت الابواب وطالبت بالافراغ.. وكم بنيت المنازل بالفوضى ومنعت الرخص وتوقف البناء و بقي العامل البسيط دون عمل ولا مأوى وتضررت معامل وطرد مستخدمون.. فحرموا الناس من حقهم في العيش الكريم..

كل هذا كان بسبب مارشيكا الوكالة وليس البحيرة..
وان يعلم الله في قلوبهم خيرا يؤتيهم خيرا.. لكن في قلوبهم مرض النفس التي لاتشبع فزادهم الجشع اطماعا باذن الله لن يطالوها..

قد كانت بدايتهم من مدخل الناظور حيث كانت لنا أقواس ترحب بالزائر وتودع الراحل.. كان لنا باب وأصبحت المدينة "وكالة من غير بواب".. رفعوا الاقواس على مدينتنا..

عقدتهم "الريف"...

باسم الاصلاح، هدموا السينما لان ذنبها كان عظيما فقد حملت اسم الريف..
باسم التجديد، هدموا الفندق لانه يحمل في مدخله اسم الريف..
لغاية في نفسهم، احرقوا السوق الكبير واعلنوا الترميم والهدم فقط لانه ملك لابناء الريف..
باسم مرتشيكا، يقررون هدم النادي البحري فقط لانه شاهد على تاريخ الريف...
باسم ماذا بعد سيعدمون اسم الريف من فوق اللوحات..

قلبي على اصحاب المحلات والمشاريع الصغرى التي تحمل "اسم الريف".. هل تراهم سينجون من هذه الحملة اللعينة؟!

أم ان "حافلة الريف" سيتم وقفها باسم مخالفة حمل اسم ممنوع على واجهتها..
المشاريع التجارية سيتم تشميعها لعدم توفرها على رخصة خاصة لذاك الاسم الكبير "الريف"..

فإلى متى يستمر فينا الهدم والتخريب وطمس التاريخ والهوية..
إلى متى يستمر الحداد والاسود والسواد..
إلى متى يتنهي مسلسل الاهمال والظلم والاستبداد..
إلى متى.. فقد طال فينا الحداد...