الفايسبوك إبّـان "تمرّد" مصر.. عمى إيديولوجي:


الفايسبوك إبّـان "تمرّد" مصر.. عمى إيديولوجي:
 
بقلم: بـدر أعراب
 
            ما صاره الفايسبوك مؤخراً، ربّما يلزمنا معه حرق بعضٍ من البخــور داخل ميدان تحريره الافتراضي، إذا كان طبعاً "الجاوي والحرمل.. ولا أعرف ماذا أيضاً" مجدياً في علاج "سخونة الراس" التي أصابت بعض المتفاعلين مع القضية نامبروان لهذه الأيـام على الجدران ذات الأيقونـات الزُرق، اِثر "عزل" الرئيس المصري المعلـوم.
 
            لعّل تحت تأثير مفعول البخاخير (التسليـم وشَيْ الله يا رجال البلاد) ستهدأ النفوس وتلين، وتعود إلى رشدها كما يتوخى أيّ عاقل في غمرة هذه اللحظات بالذات المتّسمة بتشنج الأعصاب إلى حدّ هستيري.. بحيث تخرج علينا كائنات فايسبوكية بمناشير (من المنشور) أقل ما يمكن القول عنها أنها فعلاً مناشير (من المنشار) أو أشبه بسيوفِ السامورايّ.. تتقطر دمّاً وسمّاً إلى درجةٍ يتخيّل إليك أنها صَوَّرت لتوّها ضحايا! بما تنطوي عليه من نرفزة وغضب وما تبطنه من شرّور مستطيرة: كراهية وأحقاد وعمى إيديولوجي.. 

            إن مثل هذه التدوينات البدائية والمتوحشة التي تطلع علينا بين الفينة والأخرى فتُرغمنا على قراءتها على مضض، كانت ستكون نفسها ما سيخرج به علينا الإنسان الحجري لو أُتيح له في زمانه امتلاك تقنية الفايسبوك داخل الكهوف، جملة وتفصيلاً! لكونها تُصوِّر للقارئ ذوات محرريها في نسق تمثّلات مختلفة، كأن تتصوّر مثلاً فرداً منهم يحمل ساطوراً ولسان حاله يلهث باحثاً وسط الجموع عمّن يغرسه داخل يافوخه، وأخر مثله تماماً ما يلبث أن يحمل نعشه فوق كتفه دلالة على تمام جاهزيته واستعداده لإطباق الدنيا بما فيها على رؤوس "الأعداء" قبل رحيله إلى مثواه الأخير، وأخر ملوِّحا من زاوية قصية بتدوينة من الصعب إيجاد فرق بينها وبين شفرة حلاقة حادة، يروم بواسطتها على الأرجح رشم وجنتي مخالفيه في الرأي، وبينهم آخرين تتخيلهم يسقطون صرعى مغشياً عليهم من هول الصدمة! ونحن إزاء هذه العقليات التي تعشّش فيها العنكبوت الذي غالبا ما يتعشش عندما يجد خواءً، نُصاب بسعار حقيقي نتلوى بسببه كالحيَّات ولكن بعد ذلك نعود للترحم على القائل "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم".. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
 
            فكم مرة تعيَّن على التاريخ أن يُعيد نفسه حتّى نستوعب دروسه قبل مُضيّه قدما بلا رجوع للقهقرى مراراً! أي نعم، صحيح أنّ التاريخ لا يرجع إلى الخلف أبداً إذ لا جدال، ولكن ربما هذه "الحقيقة" يتحقّق اِتفاقها عند أقوام تفقه مغزى الدروس جيداً، ما يمنحها اقتدارا حضارياً يُخوّلها سبل التمكين في توجيه حركية التاريخ وفق مشيئتها أو التأثير في مساره على الأقل، أما لدى حضرتنا فلَعمري لو تجسّد هذا التاريخ الذي اِهترأ من فرط عودته إلى الوراء مجتراً نفس التجارب السابقة بين كل حين وآخر بمبرر جهلنا المركب، (لو تجسد) في هيئة "يـدٍ واحدة" مثـلاً، لَأشار تلقائياً وعلى الفور بإصبع الاتهام (بسبّابته يعني) إلى الايدولوجية مديناً ولـاعناً إياها إلى يوم الديـن! وما تورع من إشهار أصبع وُسطاه مباشرة في وجه أتباعها الفكرانيين دونما خجل. ذلك لأن الايدولوجيا التي أعمت أبصار راكبي صهوة جماحها على مرّ الحقب والأزمنة، مثلها مثل ألسنة النيران الملتهبة تماماً، تأتي على الأخضر واليابس والإنسان والحضارة والعمران..

            مؤسف جداً القول أن "الأيديولوجيا" هي ذاتها ما يزأر الآن، والحال أن زئيرها يعلو فوق كلّ أصوات الحكمة والعقل والتبصّر، والأكثر من ذلك أنها تُلوِّح بذيولها في آفاق قريبة، لتنذّر بحرب ضروس جِهازُها أحقاد الفكرانيين.

            فإذا ما قُرعت الطبول إعلانا عن مُرساها فحرب الضغائن سوف لن تُبقي ولن تذر، إذاك لا رابح ولا غالب ولا منتصر ولا هم يحتفلون عكس ما قد يمليه خواء جماجم من يصفقون اليوم بحرارة لهذا أو ذاك.. بل الجميع سيكتوي بنيران "جهنمٍ" تتميّز من الغيض، من حسن الحظ أن بابها لم تشّرع بعد على مصراعيها ما تزال مواربة تترك للحكمة حيّزاً للجنوح نحو إثبات جدارة المنطق الصحيح والتفكير السليم حيال ما يتهدد الجميع! أما من يُشعلون بصيحاتهم فتيل "قيامة" في أرض الكنانة فأولئك يستعجلون رؤية مصر تتهاوى أركان بيوتها على رؤوس أهلها وسط نيران مستعرة على شاكلة روما كما تحكي الأسطورة القديمة، ويقيناً هناك من سيتفرج كما تفرج نيرون منتشياً بروعة منظر "روما" التي تحولت على يديه إلى محرقة كبرى تُشوى فيها أجساد أدمية على الطريقة الهندوسية (لا قيّضها الله لُطفاً ورحمةً بالعباد) إنَّـا لَنضع أيدينا على قلوبنا، قارئين اللطيف والسلـام..


في نفس الركن
< >

الجمعة 13 أبريل 2018 - 16:28 بعيدا عن السياسة