الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي

 
أحد أيام الاحد



  لِلْقارئِ العزيز
هذا الْفصْل ، خُلاصة تأمُّلات أحَدَ أيّامِ الْأحد ، حَيْثُ في الْغالِب أكونُ وحيد . خِلاَلَ هذا اليوم ، وهذه الوحدة والسُّكونْ ، يَتُحَرِّرُ خيالي لِيَنْطَلِقَ ويهيمْ ...
  يَتَضَمَّن بعض الْمشاهِد السّورْيالِيَّة ، درامِيَّة وتراجيدية ، كما يشْمَل كُلُّ ما يَمُرُّ في خيالي منْ تأمُّلات ، ويَجوبُ ذِهْنِي مِنْ ذِكْرَيَات . وَوَصْف لِبَعْضِ الْمَشاهِد الْوَاقِعِيَّة والواقِعَة حَوْلي وما يَحْدث في محيطي ، لكِنَّها بِتَعْبيرٍ رومانْسي ، وأُسْلُوبٍ عَرَبِيٍّ خَياليٍّ بَدِيعْ ... وهُوَ وَلِيدُ لَحَظاتِ الصَّمْتِ الْقُصْوَى .
                           



      باسو . الأحد 5 نوفمبر  2012
    أنا في بيتي اليوم وحيد ، لاحزين ولا سعيد . لا أُبالي بفصولي الروحية ، ومات لدَيَّ أيُّ فُضولْ . كأنني من خشبٍ أوْ من حطب . أوْ تِمْثالٌ بدونِ روحْ .
  فدوى ذهبت كالعادة كل أحد إلى أُختها مع ابنتنا دوام .
تركَتْني كَواحِدٍ مِنَ الْأصْنامْ  .
كانتْ غاضبة بسبب إنعدام الوقت لإصطحابهم   .
 لها الْحقِّ أنْ تغضب ... فأنا دائِماً عديم الوقت ...
 فضَّلْتُ البقاء في البيت لإنهاءِ لوحات الدكتور شريق ، وَوَضْع اللّمَسَاتِ الأخيرة على لَوْحَةِ لارا التي عَنْوَنْتُها      " سَرابُ الحياة  " ، وقبعْتُ في الشرفة ساكِناً أسْتَمْتِعُ بالقراءة وبأصوات الطبيعة المُتقلِّبة في صمت ...
      أسمع هديرها بين جدران البيوت وأشجار صُفْصاف باسو والصُّبَّار ،
ووشوشة الريح كَهَمْسِ الرُّوح تتيه هنا وهنا ك ، مُنْسابَةٌ كَأنّهُ رقْصٌ أوْ فِرارْ .
تَصْفَعُ هذا الحائط بِعُنْف ، وبشوقٍ تُعانِقُ ذاكَ الجِدارْ ...
 وهي تُزَمْجِر في الخارج مُزَفْزِفة ، وتُصطدم  بنوافذ بيتي فترتعش ،
 وتُحْدِثُ صفيراً يُعْجِبُني .
يُدْفئُني بِتِيّارٍمن الذِّكريات التي صارت كالضباب بارِدة ، تُدَغْدِغُني ...
ذِكرياتٌ تأْتيني من كل مكان وَمِنْ كُلِّ زَمَانْ ... وتحملني دَوْماً بعيد :
الى بروكسل البارِدَة  ،  حيث ياسمين صغيرتي الراقية الهيفاء .
والى مونريال حيث مفقودتي ليلى التي أحب ،
أُحِبُّكِ يا ليْلايَ صغيرتي ، فاشْرُقي علينا يَوْماَ 
أنا وأُمُّكِ وهادي Hadi في انتِظارِ بُزوغك ...
ولكن تيهاني العُنْفُواني أكثر ، إلى تطوان ، حيثُ أنْتِ حبيبتي ... وهُنا مُنْتهايْ  .
       حتى حشرجة الآذان المُنبعثة من صوامع المساجد تُقَطِّعُها الرياح إرباً إربا ...
 فلا يصلني من أصدائها إلاّ النزر اليسير الْمَبْحوح  فيُشْجيني ...
   الأمطار غزيرة ، قطراته كبيرة ، مختلطة أحياناً بحبات الثلج ، ترتطم بزجاج النوافذ فتُحدِثُ رهْبة وقشعريرة وصخباً بديعاً يُدْفِئُني ...
     يبدو أنَّ الطبيعة هذا العام ، وخِلاف كل الفصول التي تَتَالتْ ، وكل السنوات التي خَلَتْ وتعاقبتْ ، غاضبة وجامحة كما في أعماق فؤادي  ...
 وَأنَا أعْبُدُ الْجُمُوحْ   ...
   زخّات الغيث ، أحياناً تنقطع ... كَما يَنْقَطِع دَوْماً هُدوئي وَسُكوني ،  لِتعْصِف بي الزَّوابع ...
 كُتل السحاب السوداء تتحرك تاركة فجوات ، ترنو منها الشمس وتختفي ...
                           

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


كما ترنو للحظات بهجاتي القصيرة ، لِتَتَوارَى  كَلارا ، لِأمَدٍ بعيد ...
عندما يتيهُ خيالي معها ، يعصرني حَقّاً ألمٌ شديد  ...
أصوات الباعة المتجوِّلون تجوب الأزقة الضيقة وتتوالى بإيقاعٍ  فريد  ...
 غيرعابِئة بالعاصفة ولا مُبالية بتقلُّباتها ، وأغلبها لأطفال صغار، وهم ينادون بأسماء بضائعهم المفروشة على عربات خشبية يجرها حمير وسط أوحال المستنقعات  :
بعض البطاطس والجَزَرِ والبصل ، أغْلَبُها ذابِل . وصندوق من الطماطم  ،
 نَخَرَهُ الدُّودْ واليرقان  . وميزان عتيق أكَلَهُ الصَّدَأ  .
هذا فَحْوَى المشروع : أقَلّ مِنْ مائتا درهم رَأْسَمال ،
تجارةٌ رُبَّما لِإعالة العِيال  ...
كَيْفَ لِهَؤُلاءِ الْأَطْفالْ ، أَنْ يَحْلُمُوا يَوْماً بالأيْفون ويرقصوا مع أقرانهمُ الأحرار ،
أوْ يُفَاجِئوا عَشِيقَاتِهمْ بِعِطْرٍ ثمين ، أوْ بِبَعْضِ باقاتِ الْأزْهارْ  ...؟!
    أحياناً تسقط بعض الخضر على الأرض مُتدحْرِجة في الماء عندما ترتطم عجلة العربة بحجر، أْو تتعثَّر في عشراتِ الحُفَر  ...
أوْ حين يُباغت أحد الكلاب الجحش ، فَيُخيفُهُ بِنُباحِهِ الْمَسْعورْ ، فَيتقهقر ويتقهقر ...
فيَهْتزُّ كل ما فوق العربة الرهيفة ويسقط على الأرض التي تُشْبِهُ في أوحالها المَرْمَرْ .  
فيصرخ الأخ الأكبر في وجه الأصغر ليُسارِعَ بجمع ما سقط من حَبّاتِ الخُضَر  .
    الزاد هزيل ، والقوت قليل ، والحياة صعبة ،  وكثيرة العبث واللامعنى ...
كان من الواجب أن يكون هؤلاء الأطفال الأبرياء في بيوتهم الآن ليستدفئوا بعوائلهم  أوْ يلْهونَ بِبعض الكتب والألعاب ،
 أوْ يَرْسُمون " بقرتي نورية " في التِّلاوة ، كما كُنْتُ أفْعَلُ وأنا صغيرْ  ...
أوْ مِنَ الْأفْضَلِ في حجرات المدارس لِمُحاربة الجهل والإسْتِلاب ،
لكن قساوة مجتمع الإنغلاق وقهر الظروف ، ورُسوخ تقاليد النِّفاق بكلِّ سوادِها وأساطيرِها ، أرغمتهم على المشقّة والعذاب  ...
براعم صغيرة بمسؤوليات كِبار . فوق احتمالهم وطاقاتِهِمُ الرَّهيفَة . 
عليهم أن يبحثوا عن قُوتِهِم مِنْ أجل البقاء ... وإلاَّ فالموت أوِالفناء  ...
 
                                  ~~~ ~~~ ~~~
 
    يَنْفِلِتُ طفلٌ مُعاق من باب إحدى البيوت كصاعقة ، ضاحكاً مُهرْولاً كالمجْنون
أوِ البهلوان أوْ هُما معاً ، وهو يصفع وجهه بجنون ويصرخ بِشدّة ، مُقلِّداً حركات وأصوات الباعة المختلفون ، ويضرب الجحشَ بعُنْفٍ ويدفع أحد الأطفال بخشونة من على درّاجته فيسقط متألماً غضْبان  .
لِيتعثّر هو بدورهِ برجليه ويسقط على الرصيف مُكَسِّراً كل الورود وبعض أزهارِ الأُقْحُوانْ   ...
وخَلْفَ هذه اللوحة الغريبة ، أمّهات الطفلين كل واحدة تُحمِّلُ إبن الأُخرى بِصُراخ ،
وِزْرَ وَتُهْمَة الْعُدْوان ...
   وتَنْقَضُّ أمُّ الْمُعاقِ على الْأُخْرى تَعُضُّها بِأنْيابِها في يَدِها وأُذُنها ، وتُمزِّقُ قَنْدورتها وحجابها ، وتَجُرُّها مِنْ شَعَرِها بِدون رَأفَةٍ ولا حَنانْ. ..
لَستُ أدْري كَيْفَ يُمْكِنُ تَبْريرَهذا الباطِلِ والْبُهْتَانْ ...


                                  ~~~ ~~~ ~~~


       تُقْبِلُ امرأة عجوز لابِسة إزاراً وحجابا أبيضيْن صافِيَيْنِ ، ومعها دلْوٌ بلاستيكي لتشتري الخضر ، إنها جارتنا المُسِنَّة خالتي فاظمة ، وَما أدْرَاكَ من هِيَ خالتي فاظمة ؟ إنَّها بِسَاط الرِّيح السِّحْرِي الذي يَحْمِلُني أحْياناً بعيداً بعيداً في الضباب إلى حيث رأيْتُ النور في  "يَاتْ ـ سِيذَارْ " ...
حيث كانَ السُّكوُنُ والْخُلُودْ ...
والْأمْنُ بِجِوارِ أبي بلا حُدودْ ...
     عندما أكون جالساً أقرأٌ في شُرْفَتي مُستمتعاً بسكون باسو السحري ،
 لَكَمْ أحب يا حبيبتي لارا أن أراها تجيء وتروح ،
 وتستمر في الدوران بمشية ملائكية هادئة ،
 وعِبْقُ " الْجاوي الْمَكّاوي"  مِنْها يَفوح  ...
 تبدو كالتائهة ، وَتَغْدُو كَريشَةٍ خفيفة في مهَبِّ الريح ،
 أوْ حمامة بيضاء زاهية ، أو عندليب على الرصيفْ جريح ...
أغْرقُ في سعادة ونشوة ، وهِيَ تَتَبَدَّلُ في الْألْوان ، مِنْ بياضٍ إلى بياضْ ، ومن عبيرٍ إلى عبير ، وَتبْعَثُ لي كَمْ مِنْ بِسَاطٍ سِحْري لِتُرْسِلَني إلى أُمِّي بِ " يَاتْ سِيذَارْ " ،
وأنا أتبعها بعينايَ مُبْتَهِجاً وكأنِّي صبي أُعانِقُ أُمي التي إحْتَضَنَتْني وأخْرَجَتْني مِنْ كهُوفِ الظُّلُمات ، وأَمدَّتْني بِكُلِّ آمالِ الحياة  ...
     تَجُوبُ الشارع بدون هدف ... مُنشغلة البال ، حائرة الوجود ،
 تُطْلِقُ لِشُجُونها ولتيهانها العِنان ، 
 تُذيب غُصَصَها في الأزِقَّةِ ، لِتَنْفَظَ عنها قُنوط الزمان  ...
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


    من باب الوقار والإحترام ، ألِفْتُ أن أُناديها هكذا : خالتي ، ألقى في ذالك كل راحتي  لِأنها تُشبه إلى حدٍّ كبير أمي عندما كُنْتُ صغيراً ألعب في دارنا الكبيرة في بني سيدال ، وأنا مُنبطِحٌ في الْمَراح على بطني فوق حصير، أرسُم " أحمد والعفريت " ، وأُلَـوِّنُ  بقرتي نورية  "، وأحْفَظُ عن ظهر قلب"  الله يرانا  "
وأُمي تغْدو وتروح . تطبخ الطعام وتَطٌهُو الْخُبْزَ لَنَا ، وأنا أرنو إليها وأرْسُم في ذِهني حركاتها وتتبعها عيوني كالظِّلّ ولا تفارقها أبَداً  ...
 خالتي فاظمة باسو ، تُذَكِّرني بأُمّي التي أحب  .
لِذالِكَ إنْسابَتْ إلَيْها تِلْقائيّاً مشاعِري ...
     بدون شعور ، بدأتُ أغْرس هنا في " أوْلاَدْ لَحْسَنْ " أشياء ثمينة من نفسي ، وَلَوْ أَنِّي هُنَا بِدونِ جُذورْ ... وأتَخلَّى لِباسو عن شيءً مِنِّي غالٍ وثمين ، شيءٌ جَوْهَري ، إنها مشاعري الرقيقة وعواطفي التي لم أكن أمنحها سوى لأمي وأخواتي .

ولِأقْربِ المُقرَّبين إليّ : لارا حبيبتي ...
     إنه زمن ومكان آخر لم أكن أعرفه ، عالم وبيئة جديدة أجهلها ، سَقَطْتُ وسطهُم كالنَّيْزك ... كَسَديمٍ بِضبابٍ خفيفْ ...
 أوْ كصاعِقة بِجُموحٍ مُخيفْ   ...
كَوْكَبٌ مِنَ الرّْعْبِ غريبٌ وغيرُ أليف ،
 حَطَّ في قَلْبِ مدينة من الصّمْتِ والأسرار .
حافلة بمسْرحيّاتٍ " ميلودرامية " متشابكة الحلقات ومُخْتلِفة التّشعُّبات والنِّهاياتْ  ...
ناسٌ غُرباء عَنِّي ، كما أنِّي عنهُم غريب ، وكل غريبٍ عن نفسه أغرب ...
 بهوياتٍ مَسْحوقة وسحيقة ليسَ لها قرار ...
لم نُحس بَيْننا يوماً بِأيّ انسجام أو وِفاق ...
ولَمْ يَخْطُرْ على بالِنا أنْ نتفاهم حَوْلَ أيّ ميثاق ...
 لا شيء قَطّ مُشترك يجمعنا ما عدا إِرْثٌ مُرْهِقٌ ومُعقّدٌ من النميمة والنّفاق ،
 وما نخْتلِسُهُ أحيانا من تحيّاتٍ خفيفة وخَفِيّة في هذا الدَّرْبِ أو ذاك الزُّقاق ...
وماعدا بعض المبادئ العتيقة والشِّعارات الفارغة والتي كُنْتُ أسمعُها في صِغَري وَما زِلْت ، مثل صدى الرياح ،
 كَالقَوْميَّة العربية ، وحَيَّ على الفلاَح ،
 وخير أمّة أُخْرِجَتْ للناس ، والعروبة والإسلام ،
التي أكل الدَّهْرُ عليها وشرب ، وفزّاعة الصهيونية كسرطانٍ هدّام ،
 وبعض الحقائق الْمُرَّة ... وتاريخٌ من الظُّلْمِ والْقَهْر والظلام  .

 وشيءٌ مِنَ الإغْتِرابِ والسُّبات ، بَلَغَ صَداهُ أهْلَ الْكَهف الذين غرقوا في نومهم لِقُرون
ففاتَهُمُ المَعاد ،
وكثيرٌ مِنْ حكايات الْإسْراءِ والْمِعْراجْ ، والف ليلة وليلة ، وعَلاء الدين وشَهْرَيارٍ وشَهْرَزادْ ...



الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


 
     لَيْسَ بيْني وبينهم شيء ... ولا أيّ شيء على الإطلاق.
 ما عدا الذكريات الضبابيَّة وَتَساؤُلاتٍ عَنْ نواقِضِ الوُضوء وماهِيَةِ الْبُراقْ  ...
والنُّفور واللامبالات أوِ الطَّلاقْ  ...
 إلاَّ الْيَأْسَ وَالسَّراب والإستلاب والنفاق  ...
 ما عدا أنَّنا حُثالة بشر أوْ كومةُ أزْبال ...
مُنْذُ خُلِقْنا ونحن  نَسْتَحِمُّ في نَفْسِ المُسْتَنْقَعاتِ والقُيود والأوْحالْ ،
 نَجُرُّ نفس عربات الذُّلّ والخَيْبة والأغلال ،
وَنُعْرَفُ بِنَفْسِ الْأَرْقامْ والتّقارير   ... 
أشْباحٌ  بُؤَساءْ ... أشْباهُ أشْباهُ بَشَرْ... 
مُشَرَّدون ودْياسْبُورا مُبعثرة في كل البِقاع والأحراش ،
نَسْتَجْدي الخُبْزَ عند أتباعِ عيسى كَصِنْفٍ مِنَ الْأَوْباشْ ...
 كُلٌّ بِصدماته وَبَصَماته ... كُلٌّ بِهَوِيَّتِهِ الْمُتَشابِكَة الْأزماتْ ...
وَكُلٌّ بِمُعاناتِه وَإِحْباطاته ... كُلٌّ بِزَوايا رُؤَاهْ وفَلْسَفَتِهِ في الحياة ...
 وكُلٌّ يجرُّ مُتثاقلاً ثِقْلَ وُجوده كما يجرُّ جيفَةً نَتِنَة ،
مُتَذَمِّرٌ غَضْبانْ  ...
 أحياناً في سكينةٍ وأمانْ ،
وأحياناً بدونِ أيّ إمْنٍ وَلاَ أمان  ...
 الشَّيْءُ الْوحيد الذي يجْمَعُنا حقّاً هي الْأحْزان  ،
 وأهْرام مِنَ النّكَباتِ والدُّموعِ والصّدمات والأشْجانْ ...
وتدميرٌ للكرامات وهزائم  بالأطنان ...
بيئة قَلِقَة ، مُستلبة ، مُتوتِّرة ، كثيرة التّشَنُّجات وفارغة الجيوب ...
محيط لا أعْرِف عنْه الْكثير من المحاسنِ والعيوب ،
 ما عدا ما يبدو ظاهراً من بُؤسٍ ويأسٍ وجِراحاتٍ ونُدوب  .
وَلَدَيْنَا مَعاً عَنْ بَعْضِنا الْبَعْض ، كثير من علاماتِ الإسْتِفْهامْ ...
وربَّما ألْإسْتِغْرابْ وَالنُّفورْ ... وعلاقاتٌ شائِكَة ... وَذُنوب ...
 ولا بد من نثْرِ بعض المشاعرهُنا في باسو ، والتَّحَلِّي بالصبر كَأيَّوب ،
لأنْدمج معهم وأذوب ...
 لا أُريدُ أنْ أبْقَى وسطهم عارِياً  كَ " آدَم العاصي" ، مُهَمَّشٌ ومَطْرودْ ...
 نقطةٌ سوداء وسط بياض ، لا أُريد ... لا بُدَّ أنْ أسْتَتِرْ ،
ولا بُدَّ ولا بُدَّ أن أنافِق دَوْماً وَبِاسْتِمْرار لِأَنْصَهِرْ  ...
لا بُدَّ أنْ أمْنحَ مِنِّي شيئاً ، بل أشياء . وإلاّ سأعيش بينهم كقَرِيبٍ غريب... كتمثالٍ عجيب ...
كصخرة صمّاء عارية من كل شعور  .
وقد أُهمَّش وتستحيل معهم الحياة  وتصيرحرباً باردةً عاتية ورُبّما قُبور ...
 أوْ يبنوا على وجودي الهش ، طبقات من نسيج الأساطير والخُرافات ،
وكثير من سوء التفاهم  وأحكامٌ مُسْبقة خاطئة وكْليشيهات ...
فأكونُ في مَهَبِّ ريح النفاق  ضحيةً أوْ قُرْبانْ  ...
 أوْ رُبَّما حكاية جميلة مأْساوية ، تتناقلها الأجيال عَبْرَ كل زمان  ...
                                  
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي

  تقترب خالتي فاظمة بهدوء من العربة الصغيرة ، وهي تُداعِب بيدها الباردة رأس الجحش برأْفة وحنان ،
 تماماً مِثْلما كانتْ تفعلُ أمِّي وَأنا مُتكوِّرٌ في حِجْرِها مُحاطٌ  بالإطمئنان ،
تُهَدْهِدُني وتُداعِبُ بأناملها وراحة يدها شعر رأسي وتضمُّني إليها بِكل حنان  .
إلى أنْ أسْتَغْرِقَ في عُمقِ أحلامي الطُّفولية ، وهي بِجانبي كَوْنُ أمانْ  ...
    تتفحص خالتي فاظمة الخضر وتُناقش الثّمَن علَّ البائع يَخْفَضُها . بعد أخذٍ وَرَدّ تشتري كيلو بطاطس وبصلا أحمر ...  أمّي كانت تستعمله للطاجين ودواء لِبعض الجُرُوح  ... لكنه موجِعٌ للعينين ، وللدموع مُثير ...
      كُنّا أنا وأخي عبد الله ، نَسْرَقُ منها حَبَّة ، بَصَلة واحدة قانية ، نَحُكُّها قرب أعيننا لتدمع ونحن في مسرحياتنا الصغيرة ، نُمثِّل دور البطل الحزين ...
الذي يتباكى على لاراه ، عفْواً على لَيْلاه ، وكله اشتياقٌ وحنين  ...

~~~ ~~~ ~~~

     يُعيد البائع الصغير نِداءه لِلْمَرّة الألْف ، ولِمن لَمْ يَسْمَعْهُ  بعد :
-    آبطَاطَااااا ... آرَبْصَاااااارْ ...
 وينطلق آخر في الجهة المقابلة  :
-   آآآرْقُوسْبَااااا ... آآآنَّعْنَاااااع ...  وهو  كَسيزيف  Sisyphe  يدفع أمامه عربة حديدية صغيرة مليئة بِمُسْتَلْزمات الحريرة والسلاطة والطاجين . من قسبور ومعقدنوس والكرافز والثوم ونوعين من السلاطة  ...
يبيعُ ما يبيعْ ، ثم يتوارى مع صوته ، ليظْهَرَمن جديد غَداً وبعْدَهُ وما بَعْدَه ...
 يتكرَّرُظٍهورُهُ ومروره  ونِداءَهُ  بنفس الرتابَةِ  وإلإيقاعِ  مع تعاقُبِ الأيّامْ ...
يَدْفَعُ أمامَهُ صَخْرَتَهُ الثقيلَة بِتراكُمِ صدمات الأعْوامْ ...

~~~ ~~~ ~~~

 ويصل صاحب الدراجة بِبَيْضِه ، كاد أن يصطدم بدراجته بجامع الكرطون والْبْلاَستيكْ والألومنيوم ...
دائماً في نفس التوقيت االْمَعْهُودْ والمُعْتاد ونفس الميعادْ ... كأَنَّهُ آلة ، السادسة مساء :
  -    آآآآثِمَدجَّرِيييييين) ... البيض بالأمازيغية) .
     ما أجْمَلَ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسانُ في باسو ...  لِتُدْفِئَ أذُنيه هذه الأصوات المُتعاقبة ،
والَّتي تحمل في طَياتِها حُزْناً دفين  ...
صيحاتُ استغاثة ذابلة وخالية مِن أي ابتهاج كالأنين ...
 إنَّها أقْرَبُ إلى تَضَرُّعاتٍ مِنها إلى صياح البائعين  ...
 أحياناً أتخيَّلها صلوات ... إبْتِهالات ... مُناجات أوْ دُعاءْ  ...
 لكنَّني عندما أُدَقِّقُ السَّمْع جيِّداً وأغوصُ في عُمْقِ النِّداء ،
 أراها  بِكُلِّ  وُضوح ، صَرَخَاتُ  تَمَرُّدٍ  ضِدَّ الأقْدارِ وَرَبِّ  السَّماءْ  ...
كَذَالِكَ  إحْتِجاجُ  الضُّعَفاءْ ...
  -    آآآآثِمَدجَّرِيييييين ...
     يُعْجِبُني صوته كثيراً كثيراً ... من أروع الأصوات رَخامَةً  وإيقاعاً ...
 من أجملِ صُراخات الباعة المتجوِّلين وصياح المُنادين تِباعاً ...
إنه موسيقى روحِيَّة ، رخيمة ، عَذْبَة ، أُوبيرا صوفية ، صافية ، دافئة ...
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي
 

روحٌ تَسْري في السَماءْ ،
نِداءٌ حَزينْ يَتَبَخَّرُ في الْفَضاءْ
  سَرابُ واحةٍ لا نظير له ...
عندما أسمعه ، أُرهِفُ سمعي لألتقط كل ذبذباته  ...
 كَمْ مرةً فتحتُ نوافذي وسط العواصف لِيُعانقني سِحْرُه. .. كَمْ مرّةٍ سَجَّلْتُه وسَجَّلْتُه ،
 وكم من مرةٍ أعَدْتُ سَماعه ... وكم من مرة حاولتُ تقليده ...
مُسْتحيل ... مستحيل !!!...
 لا يملك ذاك الصوت السِّحري الرّنين ،
 سوى ذاك البائعِ الجوّال الحزين  .
سِرٌّعظيم ... لا يبتسم ... لكن صوته عذبٌ رخيم  ...
  كنوطة هَرَبَتْ من سِحْرِ ناي ،
  أو معزوفة بيان ، تاهَتْ من أناملِ شوبانChopin   أوْ مُوزارْ Mozart ...
   وأحياناً عندما يُباغِتُني فجأة نداءه وصوته ، وَأنا مُنهمِكٌ أرْسُم لِلارا بكل حماس ، إِحْدَى لَوَحَاتِ اللَّحْنِ الْحَزينْ ...
 أقْفزإلى شُرفتي بِسُرْعَةٍ ولا شُعورٍ لأراه ،
  لأعرف صاحب صوت المساء الْعَذْب الْأنينْ  ...
           مرةً  تقابلنا معاً صُدفة ، أنا فتحتُ الباب أهُمُّ بِالْخُروج ، وهو ينطلق بصوته عالياً ، كالآذان ، كهديّة من السماء ، فَرَمَقَني وحرّكَ رأسَهُ يُحَيّيني دون أن يتحرك فيه أي إحساس ، وعلى دراجته عابِرٌ كالْبَرْقِ ، وهو يُنادي :
  -  آآآآثِمَدجَّرِيييييين ...
يا لروعة سِحْرِ هذا الصِّياح الأليم   ...
 أيْنَكَ يا بَيْتْهُوفَنْ لِتَسْتَمْتِعْ بجمال هذا الصّوت الرخيم   !!
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي

    حَيَيْتُهُ بدوري وأنا أهُزُّ رأسي بَشُوشاً مُبْتَهِجاً ، ونظرْتُ إليه مَلِـيّاً وإلى بيْضه  :
التجاعيد مُزْدَحِمَةٌ في وجهه الذي سوَّدته الشمس وَقَهْر الظروف  ...
وتعاقُبُ السَّنوات الْعِجافْ حوَّلَتْ وجوده إلى كُسوفٍ وخُسوف  ...
وتضاريس آدميّة عَبَثَتْ فيها الأقدار بوحْشِيّة  بِكُلِّ شُرور ...
مُحَيّاهُ أُسْطورة ، مَحَتْ منه أيام الْقَحْطِ والْجفافْ كل آثارِ السُّرورْ  .
لا أخالُ باسو مدينة أحْياءْ ، بل جُثثاً تجتاحُ القبورْ  ...
حارةُ أشباح ، تعْبُرُ الوجود العبثي في لا مُبالاةٍ  وَفي فُتورْ  ...
رَغْمَ كل هذا ، باسو لَهُ كِبْرِياؤُهُ وَصَبورْ  ...
 
~~~ ~~~ ~~~
 
   ملامح الناس هنا تعكس توتُّراتهم الداخلية وصعوبة الحياة التي يَشُقُّونها في الْوجود بمحاريث أكلها الصدأ ... وأحياناً بدون إرادةٍ حتى . وبضبابٍ في فهْمِ معنى الوُجودْ وأنيميّة في تفسير مظاهر الطبيعة . كأنَّ الأقدار صَبَّتْ جامَ غضبها وحقدها على هذه المنطقة اللعينة الْماسِخَة ، وطردَتْها من النعيم ،
كما فَعَلَتْ مع آدم وحواء ، يَوْمَ قُذِفَا بكل قسوة نَحْوَ أرض الْجَحيمْ ...
   كل الحُظوظ جَفَّتْ هنا ، لمْ  يَبْقى سِوى المُناجات وصَرَخات اليأس المُنْبثِقة من أعماق مُتهالِكة ، وصحراءٌ بالغة العطش والضمأ . أرض قاحلة جرداء ذات عُقْمٍ مُزْمِنْ ، واليأْسُ يتعشّش وينموفي كل أرجائها كغابة كثيفة  في جماجم  فارغة . ليزدهر كَتْسُونامي طَحَالِبْ ، ويتسلْط على الناس الذين يعيشون كالحَرَّاكة في المقاهي وعلى أرصفة الموانئ  مُطأْطِئي الرُّؤوس ذابلين ، يُحَدِّقونَ في أُفُقِ الشّمالِ  ينتظرون تحقيقَ حُلْمِ الْهروب ... نحو أُروبّا وشُطْآنِ الأمان  ...
يحْيوْنَ في الأحلام ويَسْتَقْدِمونَ العالمَ كلّه أمامهم وَعلى مَقْرُبَةٍ مِنْهُمْ بالأوهام :
فرَّان باريس ... مخبزة أمَسْتَرْدَامْ ... مقْهى مَانْهَتَّان ... أوتيل بابل ... بِيتْزِيرِيّا رُومَا ... دْيَامَان فيرْ  Diamant vert ... محلبة سانتياغو ...  فندق مِيامي ... فندق المغرب العربي الذي لا يوجَدُ إلاَّ في الْأوْهام والأحلام ... مقهى الأهرام ... مطعم أُوسْلو ... بُوتيكْ طُوكْيو ... وكالة الدَّانِمَارْك ... محلبة نيويورك ... عصى موسى ... خاتم سليمان ...  بساط الريح ... مغارة علي بابا ... الطاقية المَخْفِيَّة ... المِصْباح السحري ... التَّأْشيرَة ... الإمارات ... أبو ظبي ... 
 
وكثيرٌ كثيرٌ مِنَ الهذيان  ...
  أسمعُ نِداء بائعٍ مُتجوّل مُتأخِّر ونباح كلب بعيد ... أرْهَفْتُ سمعي لِألْتقِطَ الْمَزيد ، وأنا أُفَكِّرْ  :
   ـــ كل الأصوات التي أُحِبُّ باقِيَةٌ هُنا :
 نهيقُ الحميرْ ، ضجيجُ الأطْفالْ ، مُناجاتُ أرواح ...
 الآذان ، نباحُ الْكِلاب ، عويل الرياح...
هذا كل ما تبقّى هُنا من أصْواتٍ لَمْ تَرْحَلْ  ...
عندما سألْتُ عن أستاذي السيّد طاح طاح ،
 قالوا لي أنَّهُ رَحَلْ ومات في أمستردام وراح .
وعندما سألت جاري عنِ الكوميسير فريد قال عَنْهُ أنَّه في فرانكفورت ، أيْ رَحَلْ . وابن عمي الدكتور توفيقْ ، عندما سألْت عنه الأستاذ الْخبير السِّي حسين ، 
ضحك وقال  بِنبراتٍ ذات مغْزى :
ـــــ الدكتور ذهب إلى فرنسا منذ عشْر سنوات ، غادَرَ بِلادَهُ وعائلتهُ ومرْضاه ، وتزوج بِفرنسية هِيَ أْيْضاً دكتورة في العِلاج النفسي ، يملكون فيلا بصهريج للسباحة وسيارات فخمة  .
وتَنهَّدَ ثم قال  :
     ـ  آه ، توفيق أشكون بْحالو ، يَحْيا كالأمير  .
 إذن هو أيضاً هرب وراح ...
     وبدأْتُ أهْرُبُ وأصيح كالْمَجْنونْ :
    ـ  أهْرُبوا ... أهْرُبوا ما اسْتَطَعْتُمْ ... إبْدَأُوا الْفِرارْ ، هَيَّا فِرُّو وابْدَأُوا الْفِرارْ ،
 فَهَذِهِ الْبِلادُ وَحْشٌ شَرِسٌ مُخيفٌ يَلْتَهِمُ أوْلاَدَهُ أحْياءً ويَقْذفُ بِهِم في يَمِّ البِحارْ ،
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


 فاْهْرُبُوا فهذه بلادٌ أصابها وَباءٌ خطير ، إنَّهُ وَبَاءُ الْهُرُوبْ ...
الناس هُنا ، الله يحدُّ الباس ...
بَلْ تقريباً كلّ الناس : أغْنى النّاس وأشْقى النّاس وأوْعى النّاس وأغْبى النّاس .
 الكُلُّ  يَتُوقُ إلى الهُروبْ ،
 بِأضْغاثِ الأحلام  ... سَيْراً على الأقدامْ ،
في قوافِل الإغتراب ، في بواخِرِ الْهَلاكْ ، على مَتْنِ قَوارِبِ الْمَوْتْ ، في صندوق طمطاطم ، في عُلْبةِ سَرْدينْ ، داخِلَ مُحَرِّكات السيَّاراتْ ، بِتَزْوِيرِ التَّأْشِيراتْ ، بِسَرِقَةِ الْجَوَازاتْ ، وَبكُلِّ الْمُخالَفاتْ ...
الله أكْبَر على " خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسْ...
الله أكْبَرعلى أُمَّةٍ يَتَسَوَّلُ أَبْناؤُها عِنْدَ كُلِّ النَّاسْ  ...
هَارِبِينَ غارِقينَ مُخْتَنِقينَ مُحْتَرِقينْ ...
مُقامِرينَ بحَياةٍ بِدٍونِ أيَّةِ قيمَةٍ وَلاَ أساسْ  ...
 الكلُّ يحلُمُ بالهُروبْ ...
هائِمينَ معَ الشَّمْسِ وراء الْغُروبْ ...
عِقابُ النَّفْيِ بلا خطايا ولا ذُنوبْ  ...
طَرْدٌ آخَرْ مِنْ مَمْلَكَةِ السَّعادة ، منَ الْجَنَّة ، مِنَ النَّعيمْ ...
سُقوطٌ آخر في إحْدى فصول الجحيم ...
      وبدأتُ أفكر أنا أيضاً في كيفيةِ الهروب ... أعودُ مِنْ حيثُ أتَيْتُ ...
إلى حَيْثُ يَجِبُ أنْ أكُونْ ،
 إلى حبيبتي ياسْمين حيْثُ الرَّاحَةَ وَالسُّكونْ ،
 حَيْثُ الْحياة بلا لارا وبلا شُجون ...

~~~ ~~~ ~~~

    وَيَجُرُّ الاخ الاكبر حماره مُسْتأْنِفاً رحلته الْعَبَثِيَّة إلى دواوير ومداشِر أخرى بعيدة في ضواحي الناظور ، والْجُوعُ يقْطَعُ أوْصالَه .  والضمأ يُنْشِفُ لِسانه ، آخِذاً النِّصف الشمالي مِن باسو في اتجاه سوق  "أولاد ميمون" ، عاصمة الهَرَجِ والضجيج ، حيث الصياح والصٍّراخ . وحيث لا إمارات ولا أمستردام ولا أبو ضبي ، ما عدا أشْباهُ أشْباحٍ في غَوْصِ نُخاعِها اليَأْسُ  مُقيمْ ...
 
 
والشّيحُ الشَّحيح  يُرْهِبُه ،
والرِّيحُ الذي يَصْفَعُه ،
وأخوهُ الصغير الذي يتبعه ،
 وهو يَلْعَنُ و يلعب في الطريق مع الكلاب ويأخذ جِرواً يضعه فوق الطماطمِ في الصُّنْدوق مُحارَبَةٌ لْمَلَلِ الْوجود وعبث الحياة  ...
     ــ  أَ رّرررراااا . أرّاَ مِنْ إِدَعْوَنْ يَمَّاشْ أرّا ، مَيَمِّ ذَيِ ثَنِّذْ ثِفَقَّاعْ ، مَيَمِّ  مَيَمِّ  ؟؟
    يجر حماره الصغير ويجوب الأزقة الضيقة ويُردِّدُ النداء باستمرار ، إلى أن يتلاشى صوته وهو يبتعد نَحْوَ أُفقٍ مجهول .
 والرياح وراءهُ تَمْحو كل آثار نِدائه ، بل حتّى أصْداءَ وُجوده  ...

~~~ ~~~ ~~~

    دوام إبنتي وفدوى زوجتي ، عند أُختها ، بيت زوجها السابق . قِبْلَتُهَا المعْهودة  .
ربما اشتياقٌ وحنين إلى ما أمْضَتْهُ مع عشيقها هناك مِنْ حُلْوِ الذِّكرياتٍ ،
ولذالك يدوم ذِكْرى لا تُنْسَى تتراقص في اللاَّشعور كالْإكْسيرِ مدى الحياة ...
أَمَّا أنا ، فقد فَضَّلْتُ الْبَقاءَ في بَيْتي وَحيدْ ، أُفَكِّرُ في أُمَّي وفي لارا ، وَحْدي ومعي السَّكينَةَ والْهُدُوءْ ، عَلَى أنْ تَبْقى الطَّامَّةُ الْكُبْرَى فَدْوَى في الدارِ وَبِقُرْبي ،
 
 نُقِيمُ الدُّنْيَا وَنُقْعِدُها ، ونُثيرُالعواصِف ونَصْنَعُ الأعاصيرْ وَنزْرَعُ الزَّوَابِعْ  ...
 وَنُدَمِّرْ ونُكَسِّرْ وَنُفَجِّرُ كُلَّ شَيْءْ ... كَأَنَّنا مُنْذِرِينَ بِعَلاَماتِ السَّاعَة  ...
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


 
   أَتَرَيْنَ حبيبتي لارا كَيْفَ اسْتَحَالَتْ حياتي مع فدوى التي كانَتْ مِنْ قَبْل حبيبتي ؟
أترينَ كيف انهار كل ما بنيته بِحُطامِ أشواقي مع فارسة أحلامي الأولى  ...
 وكيْفَ إنْقَلَبَتِ الْأُمُورُ بَيْنَنا أنا وفدوى لِتصير أعْتَى من كل الزّلازل التي عِشْتُها ؟
لماذا كل هذا ؟
   ــ أرَى في كُلِّ هذا عَجَبْ  ...
 ــ فَلِماذا وماذا كَانَ السَّبَبْ  ...؟
 ــ أَلِأَنَّ طبيعة الحب كالنٌّباتِ وكالْوُرودْ  ...
 ــ يُغْرَسْ ، ينمو ، يَتَفَتَّقْ ، يكبُرْ ثُمَّ  يَذْبُلَ  وَيَذوبْ   ...
 ــ لِيَنْبَعِثَ مِنْ جديد في أشَدِّ الْعُنْفُوانْ ،
 خَجُولاً يُعَانِقُ إحْدَى الزُّهورِ على حوافي إحْدَى الدُّرُوبْ ؟
    هكذا كانَ حُبُّنا ، وهكذا تَمَّ سَفَرُ مشاعِرِنَا نَحْوَ بَعْضِهَا الْبَعْض صافية بلا عُيوب ...
فَوَقَعَ التَّلاَحُمُ الْخَطير والْمُثير ...
 ووَقَعْنا في الفَخ ، وها نحن نبكي قدرنا في هذا الْغُروبْ  ...
 
~~~ ~~~ ~~~
 
      الرياح تَئِنُّ وتزداد عُتيّاً وتُشَتِّتُ كل ما يقع في قَبْضَتِها ثقيلٌ أمْ خفيف .
 والرَّعْدُ يُدَوِّي وَيَبْعثُ الرَّهْبَةَ في الْكَوْنِ وَيُمَزِّقُ كُلَّ هدوءٍ وسُكونْ  ...
الْبَرْقُ عَاتٍ هذا الأحد ، وشديدُ الْإنْفِجارْ  ...
كُلُّ شَيْءٍ قانٍ وباهر وكثيرُ الإحْمِرَارْ  ...
وَكُلُّ الْألْوان الْمُنْسابَةِ حَمْراء كالنَّزيفْ  ...
كل الْمَناظِر رائِعَةٌ حبيبتي في هذا الْمَساءِ منَ الْخَريفْ  ...
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


 
    الرياح تُمزِّق كل أغصان الأشجار وأوراقها  بدون رحمة أوْ رَأْفَة ، وكأنَّها تحرّكتْ لِتلتهِمَ الطبيعة بقسوةٍ وشراسة .  وتقْظِمُ كالوباء ، كل ما تبقَّى منْ أملٍ في الحياة  ...
 كل شيء قاسٍ وصلْب في هذه البلاد صَلاَبَةَ الحياة نفسها وقسْوةُ الْوُجود ... النَّاسُ تَقْتاتُ هنا بالمُعانات والْفُتات وذِكْرِ الله ، وأغلبُهُم يُدخِّن الحشيش والكيف خُفيةً وفي خفاءٍ كمُهدِّئات ...
لكن عبثاً ... ذالك لأنَّ ما كتبته الأقدارَ مِنْ جحيمٍ عظيم ، وَسَعيرٍ أليمْ...
لا يُطْفئُهُ إلا الإنتحار الخَلاص أوِ القتْل الرحيم  ...
 القانون الوحيد الذي يَسْري هنا : الصراع من أجل البقاء ،
لكن لا يصْمُد ولا يصلح للبقاء ، إلاَّ الْمُنافقينَ والتَّماسيحُ الأقوياء ...
وجه الرأسمالية الدَّمَوي البَشِع ، الْأكْثر شراسة وافتراساً .
نِظامٌ جَبّار قاهِرٌ لاَ يرْحَمْ ... مَهْما طغى وتجبَّرَ وَظَلَمْ ... يبقى قاسٍ لا يَنْدَمْ ...
وكَمْ من نِظامٍ وَأَدَهُ وذهب في موكب جنازته . يَتَغَنَّى بِجَبَرُوتِه   ...
وهو يرقص ويُغرَّد بِنشْوةِ الإنتِصار ...
                                          
~~~ ~~~ ~~~
                             
      بعض القطط تقطع السَّبيلَ وتجوب هواِمِش الطُّرق ، فارَّة من العاصفة ،
 جارية لِتَلوذَ إلى جُحورها ... ومحمد الجار الدائم الجري والتّعاسة ، والذي قسى عليه الزَّمن أكْثر من كل الناس كما يقول ، بمساعدة إبنيه الصغيرين ، يحاول جر الحمارالمتعنِّةِ إلى الدار ...
يبدو الأخير حَرِناً مُشاكِساً ويرفض الدخول مُسْتَمْتِعاً بِحَمَّامِ الأمطار ...
 
~~~ ~~~ ~~~
 
      فَكَّرْتُ في لارا فاهتزَّت مشاعري وشعرتُ بالحزن الشديد  :
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


 
ماذا عساها تفعلُ الآن في خِضَمِّ كل هذه العواصف الجامحة ؟ إنها تُمضي اليوم كله في دُكانِها في أحد الْأحياء الشعبية بتطوان ، تبيعُ المُجوْهرات الزائفة في وضعية إقتصادية
خانقة ، وَتَتَأَمَّلُ عُمْرَها وهو يَذوب  ...
لا يُمكن أن تربح الكثير ،
 بل حتى اكتِفاؤها الذاتي سيكون عسير ...
 والناس لا تشتري إلاَّ قوتَ يومها أوْ أقَلّ ... الزمن صعب   ...
  و كأنّنا في عَهْدِ حرْب  ...
 مرةً ، دخل عندها زبونٌ وسرقها مائتا درهم ... ما زِلْتُ أتذَكَّرْ مُتَخَيِّلاً كَمْ كانت نبراتها مُنْفَعِلة وجد غضبانة  .
      كان رجلا في الأربعينيات ، أنيق الهندام .  تَقَدَّمَ اليها كرجل ميسور الحال ، قال لها أنه يريد شراء أرْفع قِلادة هدية لصديقته أو لعشيقته ،
وبذالك الْقِناعٌ والكذب أعْماها وَدَوَّخها وخدعها كما قالت للزهرة ...
 
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


مَهْما تَكُنْ لَكِ مِنْ تَجْرِبَةٍ حَبيبَتي وَعِنْدَكَ مِنْ عُيونْ  ...
فَالنَّاسُ حَولَكِ في الْحشْيَةِ ، يَمْلَكُونَ أعْلَى الْفُنونْ  ...!!!
   الناس هنا عباقرة في الحيلة حبيبتي ، مهاراتهم وعبقرياتهم لا تتجلَّى سِوَى في الغش وكل أنواع النفاق و"  التّمَسْمِيرْ " والْقْوَالَبْ وَلَكِنْ هذه حِيَل وليْسَتْ بِذَكاء ...
 أَوْ قُلْ إِنَّهُ ذَكاءٌ فِطْري حيواني سِلْبي وَإيجَابي مَعاً ، آلِيَة دِفاعِ في إطار الصراع من أجلِ حِفْظِ الْبقاء ، كما نَجِدُ عند كل الحيوانات في إطارِ قانو الغاب  ...
يجب على الإنسان أوِ الحيوان أنْ يعيش ، وإذا لَمْ يستطيع أن يعيشَ بِكرامةٍ  وَبَدونِ غَشٍّ ،
 فواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَغُشَّ لِكَيْ يعيشْ . ويَحْفَضَ وُجودَه.  وهذا جِدُّ طبيعي .
     كلُّ الأخلاقِ ووَصايا موسى الْعَشْر لا تُفْلِحُ هُنا وَتَنْهَارْ ... الغايَةُ تُبَرِّرُ الْوَسيلة ، وحَجْمُ الرِّهانِ هنا ضَخْمٌ وخطيرْ ، إنَّهُ رِهان الْوُجود بعيْنِه ، رِهانُ الحياة نَفْسُها ... وهذا بالنِّسْبَةِ لِلكائنات الحيَّة خَطٌّ أحْمَرْ، لا يمْكِنُ تجاوُزِه ... إنَّهُ خَطُّ الكِبْرِياءِ والْوُجُودْ .  وخَطُّ غريزة حفظ البقاء والإستمرار في الْوُجودْ  ...
 هذا الذكاءُ  فِعْلاً عقيمْ . ولا ينْتُجُ عنه أي اختراعٍ يعود بالخيرعلى البشرية جَمْعاءْ
بَلْ لا يعودُ بالنَّفْعِ المُؤَقَّتْ إلاَّ على صاحِبِ فِعْلِهِ وَأَنَاهْ ، غَيْر سِوَاهْ . ولَكِنَّني لا أُسَمِّيها مع ذالِك أنَانِيَّة ، بَلْ واجِبْ لِإنْقاذِ أنَاهْ ... ولكن بصفة مؤقَّتة فقط ، كنوْعٍ منَ الْمُهَدِّئ غَيْرُ طاهِرْ، ديبَانَاجُ لحظاتْ ،   anesthésie    تَخْدير مُؤَقَّتْ ، يمُرُّ وتبْقى الْجِراحْ وَيبْقى المُشْكِل قائماً  .
وهو ذكاءٌ لَنْ يُضيءُ عتمات وجود البشرية  .
كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ ينتج عنه كثمْرةٍ مُرَّة ، تكْديس المحاكِم بِمِلَفّات االنَّصْب والإحتيال بجميع أصنافه  والغش والتزوير ... وما يليه من الشذوذ عن القانون والأخلاق ، وكل هذه الآفات السلبية وتِقْنيات العيش اللامشروع ، إنما هي وليدة الحاجة . والحاجة عندما تحضر وتدوم ، يغيب القانون والأخلاق معاً ...
وهو كما قُلْنا ، طبيعي جِداً لِأنَّ الإنسان ، يجب أن يعيشَ لِيَحْفَظَ بقاءهُ ويستمرّ في الحياة ، ومِنْ ورائِهِ الطوفان ... في مِثْلِ هذه الظُّروف والحالات ، لا يَحْسَبُ الْإِنْسانُ لِلْأَخْلاقِ أيَّ حِسابْ . بَلْ يتحدَّى كل شيء ليسْتَمِرَ في الحياة...
 لقد خُلَقَ الإنْسانَ لِيَعيشْ  وبكرامة ...
      قالت لي الزُّهرة أيضاً أنَّ لارا ضَعُفَتْ ونَقَص وزْنُها ، وأنها تُعاني من فُقدان الشَّهية وارْتِفاع الضغط الدموي وتنتابها نوباتٌ من الأرق ، وأنَّ ذالِك وقَعَ بِسبَبي أنا ، مُشِيرةٌ إلَيَّ ، وأنها مثلي فَكَّرتْ مِراراً في الإنتحار . فازداد ألمي أكثر . لا أتحمَّل أن يُصيبَها سُوء أوْ مكروه أو تتعثَّرُ في الوجود ...
سَأَبْقَى عَلَى الدَّوَام مَلاَكُهَا الْحارِسِ الْأمينْ ... إِنَّني أَعْبُدُهَا بِكُلِّ اعْتِزازْ  ...
إنَّها جَوْهَر وماهِيَة وُجودي  ...
       الزهرة حالياً وِصالي الوحيد مع لارا ، ولا سيما بعد مُصادرة هاتفها النقال ...
إنْ فقدْتُها  فقدتُ كل شيء وكل اتِّصال  ...
      أعرف أنَّ للزهرة مِزاج حاد وعنيد ، تدافع عن نفسها كالقطة الشرسة ، ولكني أُحاول دائماً إسْتِرْضاءَها بكل الوسائل لتبقى رابطاً بيني وبين لارا ، لا يمكن ان نبقى بدون روابط .  مستحيل ...
     نتَّصل أنا والزهرة ببعضنا دائماً ، وأحياناً تأتي عندي لنتحدث عن أهمِّ ما يهُمُّني ويُشْغِلُ بالي باستِمرار " ورْدَةُ  الدَّراما " ، لارا
 
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


ونجلس مدة طويلة معاً نتحدّث عنها في غياب فدوى ، أسألها فتجيبني ، وأسْتَفْسرها عن أشياءٍ تخُصُّ لارا فتشْرحُ لي ... لكن كل تلك الإجْابات والْإسْهابات لا تُشْفيني ولا تكفيني . كل التفاصيل عنها أشْتهيها وألْتهِمُها ، ولاحِقاَ ولِمرّات ، أجترُّها وأُعيد اجتِرارها كَزادي وَقُوتي  ...
  بذكرياتها أحيا ، وبِها سوف أموت ...
 في النهار تُظِلُّني ، وفي الليل الدامس تُضيئُني ...
وحينَ أكونُ يائِساً تُواسيني ...
 أُريدُ دوْماَ عن لارا المزيد . كل خَبَرٍ عنها يجعلني أحْيَا وسعيد ، وينزل على روحي شِفاءً ... بَرْداً وسلاما ... سكينة وسُكوناً  وَيُمِدُّ في عُمْري سنوات...
يَهْطِلُ عليَّ كالغيثِ قطرات ... تروي ظمئي ... تُبْعِد عطشي ...
      أقوم وأُناولُ للزهرة فواكه وعصير . وأضع أمامها حلوى . ونبدأُ في تجاذُبِ أطراف الحديث خلال ساعات ... أمُسُّها وتَمُسُّني ، ألامِسُها وتُلامِسُني ، وتجلس بجنبي مُتعانِقَيْن . فنحْتكُّ ونضحك  كأصدقاء بلا حرج . إلى أنْ نُحس بقُدوم فدوى أو نسمع صوت دوام في الدرج ، فتنْسَحِبُ بهدوءٍ وبأدبٍ تودعني . تأْتيني بِالأخبار عنها وإليْها تَحْمِلُ رسائلي وتُهدِّئُني ...
 

الفقرة السادسة من رواية " الحياة في باسو " للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي


هي الوحيدة من يُعينني ويُواسيني بسبب اكتئابي ومرضي وحزني على لارا  ...
     لم أرى فيها أبداً لا جِنْساً ولا لَذَّة ، ولم تتوقَّظ في داخلي حيالها أية نزْوةٍ
 أوْ شهوة  ...
 كل لذّاتي ومشاعري رَحَلَتْ مع لارا . لم يتبقَّى لي شيءٌ مِنْها نِهائياً . أصبحتُ فارغاً من أيّةِ لذة ما عدا العذاب...
أَصْبَحَ لا لذة لي ...  مات " الإيروس " ودَفَنْتُ كلّ آلهات اللّذّة  يَوْمَ ذهبتْ لارا  .
وابتلعني الإكتئاب  ...
 مُستحيل أنْ تتذوّق بهجات الحياة كما ينبغي دون أنْ يكون مَنْ تُحِب مِنْكَ قريبْ ...
ومستحيل أن تُسْعدَ بالوُجود ، دونَ أنْ يكونَ بجنْبِك إلاهُكَ الْمعْبود ...
ومستحيل أن تستمتع بِحلاوة الدُّنْيا ، دونَ أنْ يكونَ حُبُّكَ معكَ موجود ...
    الزهرة بدأت تعرف بعض أسرارنا أنا ولارا بعض المعلومات تَقْضِمُها مِنِّي خلال جلساتِنا هفوات ، والبعض الآخر من استنتاجاتها الذكيَّة ... وَلَوْ صغيرة ، إلاَّ أنَّها داهية وكثيرة الإستِنْباط . لكن لارا من بدأت تعترف لها ببعض ظروف وملابسات قصتنا وعلاقتنا مُنْذُ البداية .  بعد حادث الصدمة التي لا أَوَدُّ الحديث عنها الآن . لأنها صدمة قاتلة وأليمة كادت أنْ تودي بلارا إلى الجنون ...