المهاجر المتقاعد .. وحيث السؤال قاب جرح أو أدنى.


المهاجر المتقاعد .. وحيث السؤال قاب جرح أو أدنى.
محمد بوتخريط . هولندا .


الكتابة عندي ليست لا هواية ولا مهنة ولا رسالة.. قد تكون حاجة نفسية .. أم ربما أنني بين هذا كله أجمع .. لا أدري بالضبط ؟
كل ما أنا متأكد منه ان الكتابة عندي لا تحتاج إلى إعداد مسبق ، هي فقط تستجيب لانفعال ما يثير انفعالات ما ... وأجدني أكتب.
في أحيان كثيرة قد يجد الكثير منا نفسه مضطرا للكتابة عن السعادة، الفرح، التفاؤل... وما الى ذلك من إطلالات و كلمات تفاؤلية ..
وأجدني انا في أحيان كثيرة كذلك مضطرا للكتابة ، لكن عن قضايا ليست مفرحة تماما ولا تدعو إلى التفاؤل . فالفرح والسعادة والتفاؤل
كلها تبدوا ألفاظاً غريبة عنا ، كأنها مفردات من لغة نجهلها ، خاصة حين نكون نراقب تطورات بعض الأمور وانعكاساتها بشكل يومي على اوضاعنا ، حيث تتملكنا هواجس وتخوفات لما تحمله الأيام القادمة من مشكلات لم تكن محسوبة.

- مع فارق عمق التأثير..
هي تطورات تحمل تخوفات ما ... وآخرها وليس آخرها -طبعا- تأثيرات بعض الإجراءات التي تتخذها الحكومة الهولندية وبمباركة - ولو غير مُصرح بها - من مثيلتها المغربية والتي خلقت أزمة خانقة تضرب المتقاعدين من الجيل الأول من مغاربة العالم في الوقت الراهن ، بل أنها اصبحت تتخذ طابع الشمول في تأثيراتها على أوضاعهم الإقتصادية ، كغيرها -طبعا- من أوضاع بقية مغاربة العالم ، مع فارق عمق التأثير بين اوضاع كبيرة لديها هامش من الخيارات ، و صغيرة تعاني أصلاً من مشكلات كبيرة أقلها عجز موازناتها العامة ، كحال المتقاعدين من الجيل الأول.
والعديد من هذه الإجراءات التي صدرت سواء عن جهات رسمية أوغير رسمية خلال الأيام القليلة الماضية و سواء من المغرب او من هولندا لا تنبئ بأيام مشرقة... أبدا.

- وهل تستوي الجراحات ..
في حديث مع بعض أهلنا من المتقاعدين جمعنا ذات مساء ، سألني أحدهم .."رْحَاجْ عْمَارْ" (هكذا نطق اسمه حين سألته ، وإن كان اسمه في الأوراق الرسمية ' عُمر= الحاج عُمر') ، سألني وقد اعتلى وجهه الخوف والغضب معا . "متى تنتهى موجة ' المآسي ' التي نعيشها فى كل وقت ، حتى صرنا فى حالة اضطراب وقلق مستمرين إذا نحن سرنا فوق هذه الأرض … في الشارع تملكنا هواجس العودة وهاجس آخر لا يقل رعبا وهو مصير أولادنا هنا بعدنا...وحتى حين نذهب في عطلة ما قاصدين أهلنا ، يتملكنا الفزع من أن لا نعود" .
تنهد الحاج 'عْمار' واستمر موضحًا . "وكأننا أناس كتب عليهم أن يعيشوا دائما على كف عفريت ، حياتهم مرهونة بمزاج وقرارات ومصالح دولتين أكدت الأحداث والحقائق اليوم ان قضايانا "كمهاجرين" هي آخر نقاط تعرفه أجنداتهم . الحكومة الهولندية تسعى من جهتها إلى حرماننا من حقوقنا ، من الاستفادة من المساعدات ، مبررة ذلك أننا نحوز "أملاكا" ، الأمر الذي يحتّم علينا بيع جميع "ممتلكاتنا" إن كنا نريد العيش في "سلام".
لم يكفيها ذلك ، بل هي تسعى كذلك إلى فرض أداء الضرائب علينا بشكل مزدوج على ذات "الممتلكات"، بمعنى اننا سنكون مرغمين على أداء الضرائب عن "ممتلكاتنا" لمصالح الضرائب في المغرب وفي هولندا على حدّ سواء...
وأي ممتلكات يتحدثون عنها ؟.. هي مأوىً نسكن إليه ، و معاشاً يقينا من شر العوز و الحاجة ، و رصيداً من السمعة الطيبة لا تضاهيها كنوز هولندا ولا حتى ...العالم كله .
قاطعته متسائلا وما موقف حكومة بلدكم الأصلي و...
ودون حتى ان انهي كلامي ، أجابني في سخرية قاسية وبألم مضنٍ و بابتسامة ازدراء. "حكومتنا "الموقرة" من جهتها تركتنا نصارع ضدّ هذه الإجراءات لوحدنا ، رغمّ أنّ هذه الإجراءات - حسب علمي المتواضع بالأمور - تتنافى مع الاتفاقيات الموقّعة بين البلدين ، بل و دون أن تتدخّل "حكومتنا"، حتى لتنبيه نظيرتها الهولندية بخرق هذه الاتفاقيات. وكأنها غافلة على أنّ عدم تدخّلها ستكون له عواقب وخيمة على أوضاعنا بل وكذلك على اقتصاد البلد (المغرب) ككل ، بحيث اننا سنضطر، لتفادي هذه الإجراءات إلى بيع "ممتلكاتنا" في المغرب ، بل وإلى إفراغ أرصدتتنا البنكية كلها ."
توقف الحاج عْمار للحظات قبل أن يردف قائلا و متسائلا:"هذا إلى جانب أخبار تتحدث عن إجراءات جديدة أقرتها إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة في المغرب، لحصر دخول السيارات التي تحملُ أمتعةً لغير أصحابها و.... ماذا سيفعل هؤلاء المهاجرِين، الذِين دأبُوا الإرسال بأغراضهمْ مع مهاجرين في سياراتهم ، بالنظر إلى محدوديَّة ما يمكنُ أنْ يحملوهُ من متاعٍ على متن الطائرة ؟
ماذا سيفعل من اتخذَ النقل مهنةً في ظلِّ هذه الأوضاع المزرية و صعوبة الوضع الاقتصادي.؟
هل الدولة فعلا مدركةٌ لما يمكنُ أنْ تنعكسَ به هذه القرارات على كثيرٍ من المهاجرين ؟
هل بوسع المغرب تأمينُ شغلٍ لهؤلاء، الذِين يتغزل بهم كمصدر للعملة الصعبة ؟
ماذا لو قام كل المهاجرين بتوقيف إدخال ذات العملة الصعبة الى المغرب ؟
ماذا لو تم تغيير اتجاه كل "عطلهم" لدول أخرى أقل تكلفة ؟
بل لماذا لا يتم هذا بالفعل تضامنا مع هذه الطبقة المتضررة من "المهاجرين" ؟.

كان من بيننا رجل آخر يستمع لحديثنا .. تدخل مقاطعا حديث الحاج عمار : "ما لا أفهمه أن مثل هذه الإجراءات لا تهمنا نحن فقط لوحدنا كمغاربة بل الأتراك والجاليات الأخرى أيضا، وأتساءل لماذا يتم تهديدنا نحن المغاربة لوحدنا هنا دون الأتراك والجاليات الأخرى ، لماذا تضرب هولندا ألف حساب وحساب لرد فعل الحكومة التركية مثلا وفي نفس الوقت تتجاهل بل و تهمل رد فعل الحكومة المغربية.؟"

- يتاما، لا دولة لنا ولا ... وطن !!
"كنا نعيش مرتاحين البال واليوم ننام على أرصفة الحيرة ".
هذا ما قاله 'ارْحَاج عْرِي' (= الحاج علي) متقاعد آخر في العقد السابع من عمره ..
أوضح الحاج علي ، الذي التقيته ، على أحد أرصفة منطقة هوخرافن في ضاحية اوتريخت ، “لم يبق الكثير منا في هولندا ، فالكثير منا رحل الى المغرب ...والباقي كان يستعد للرحيل ولكن.... ”.
صمت للحظات قبل ان يضيف : “لم أفهم ما حدث فقد كنا نعيش مرتاحين البال وكان لدينا مشاريع وأحلام ، إلا أننا تعرضنا لمؤامرة (لم يوضح تفاصيلها)، وكأن اليوم لم يعد لدينا لا دولة ولا وطن .. يتاما وطن أصبحنا!.
صمتَ مرة أخرى للحظات قبل أن يتساءل :"هل الحكومة المغربية تعرف بأن تنفيذ هذه الإجراءات ستدفعنا و آلاف المغاربة الى وضعية الفقر...؟ "

-الحكم بالإعدام !!
في تدخل آخر ، أضاف متقاعد آخر كان يسير جنب الحاج علي، والذي فضّل عدم ذكر اسمه ، "أن المغاربة المتقاعدين ... أصدرت الحكومة في حقهم حكما بالإعدام ، وعرضت عائلاتهم للتشرد والإهانة هنا ، في غياب تام لثمثيلية دبلوماسية مغربية صحيحة ... بل أننا نحس وكأننا هنا يتامى ..لا أبٌ هنا حاضر ولا أمٌّ هناك حاضرة ..نتذكر ماضينا الجميل هناك وماضينا هنا ، الغاص بالجراح ، جراح نستحضرها الآن بتلذذ غريب ،
نحس وكأن بلدنا تخلى عنا بل خدعنا كما الكثير من أصحاب الأفواه الفاغرة هنا تخلوا عنا .."

- بطائق وقد انتهت مدة صلاحيتها .
لم يطل الوقت .. حتى ظهرت أمامنا امرأة شاحبة اللون امتصت عصارتها سنين الحزن الطويلة .. وألم المرض ... رمتنا بكلمات ناضجة بمرارةٍ فاقعة لم تخلو من تساؤلات موجعة.
- "لماذا اليوم فقط يحاسبوننا ... لماذا اليوم فقط يكرهوننا ..؟
فهنا بعد أن كان البعض في السابق يطالب بإغلاق باب الهجرة لأسباب اندماجية ولغوية وعرقية ودينية وما الى ذلك ... أصبحت هولندا اليوم تطالب بغلقها - فقط - لتوفير مبالغ من اليورو سنويا لخزينتها .
وأما عيون بلدنا هناك والتي ائتمرت بأمر آمر ما ، فلم تعد تلحن لنا أغاني " إِيسِّي فُو زَاتْ شِي فُوا" لتستقبلنا بها في الموانئ والمطارات ..
ربما لأننا اليوم لم نعد نصطحب معنا "العربات" " والحمالين" الى السوق و محلات اللحوم ... ولم نعد " نرمي" "بالخولد" الهولندي و"الديمارك" الألماني و"الفرانك" الفرنسي والبلجيكي و"البسيتاس" الإسباني ...والأورو في الأبناك وحتى دون إيصالات.!!!
أصبحنا بطائق انتهت مدة صلاحيتها طبقاً لمواصفات ما و انتهت ارصدتها وغير قابلة للتعبئة .
تواجهنا وحشية العيون هنا.. تفحصنا من كل جانب، تخترقنا كالسهام السامة ، تعرينا بلا رحمة ولا شفقة، تمزّقنا ، وكأنها تريد أن تعيدنا إلى التراب الذي منه خرجنا ، بعد أن امتصت كل طاقتنا وامتصت كل عصارتها .."

- يا سادة يا كرام؟
هذه آهاتنا .. مِنَّا مَن مات ، ومنَّا من لا زال يحمل معه عاهاته وصوره وحكاياته ، ومنَّا من كاد أن يموت فداء لألوان علم ليس بالأخضر والأحمر تتوسطه نجمة... ولا لألوان الأرض والسماء والهوية يتوسطه الزين/"أزا".
نساء و رجال صنعوا بهم هنا كما هناك تاريخهم ليصبحوا في غضون سنوات بعد ذلك مجرد حكايات لملئ ثغرات التاريخ الذي لم يرحمهم .. أبدا.

أمام مجمل هذه الإشارات ، فإن الحديث عن "خطة إنقاذ" تتضمن -فقط-تعالي صلواتنا و دعاوينا لم يعد كافياً ، مطلوب من الجميع حكومات وأحزاب ومنظمات ، ناشطين وحقوقيين و مجتمع مدني ومواطنين "عاديين" كل في موقعه أن يساهم في تذليل العقبات ، وإخراج "الإجتماعات" و "الحوارات" والكلام المعسل وما شابه ذاك وذاك من "التطمينات" والغرف المغلقة إلى ... الحقيقة والعلن ...
الـــــــــــــــى الــــــــحقيقة و...الــــــــــــــــعلن .


المهاجر المتقاعد .. وحيث السؤال قاب جرح أو أدنى.


في نفس الركن
< >

الجمعة 13 أبريل 2018 - 16:28 بعيدا عن السياسة