الى الوليد ميمون رسالة من شاعر بالذنب إلى شاعر في المهجر


الى  الوليد ميمون  رسالة من شاعر بالذنب إلى شاعر في المهجر

●حفيظ أدراز
maupassant16@hotmail.fr

لقد رحلت إذن وربما حذرت نفسك من مغبة الحنين و حماقة العودة. رحلت دون ضوضاء أو لغط "بنكران ذات أفلاطوني "نادر, دون أن تحرج أحدا بوداعك ممن عايشوا تجربتك و امنوا بها و أنا بدوري لن أحرجك وأنت هناك بالحديث عن الوطن و الجذور مثلما يحل للجدات الطيبات. لن أعاتبك على هذا "الهروب العظيم" و لن أطالبك بالعودة كما كنت تفعل و أنت تغني إحدى قصائدك في تلك الثمانينات العصيبة و لن اسمح لنفسي احتراما لها و للجدات و لتاريخك بان أعطيك دروسا في الحنين و الذكريات,ففضائل الاغتراب و امتدادك في الزمان و المكان أعمق و أجدى لك من أن تختزل كينونتك في تاريخ قبيلة جارت عليك او في ذاكرة مكان رغم رحابته لم يسعك, هويتك الآن حريتك وحسبك انك انسحبت بصمت نبيل من مشهد عبثي و أطلقت الرصاصة الأخيرة على وضع رديء لم تتحمله و لم يتحملك.
أنت الآن تحت سماء أخرى في بلاد "روبانس" و "بريل",في الأرض التي آوت الشاعر الثائر"هيجو" عندما كانت تتعقبه أذناب إمبراطور خاسر.أنت الآن في قلب حضارة آمنت بالفن بقدر ما آمنت بالإنسان.
لعلك الآن تتسكع بحواس متوقدة في شارع ستالينغراد ببروكسيل مستمتعا بمهارة الغجر في محاورة الجيتار و صناعة الفرح في الهواء الطلق و هم يغنون انخطافات" جولييت غريكو" و الآم" ازابيل بانتوخا" او لعلك في محطة الجنوب تحتسي القهوة و ترغي بلغة "براسانس" و"غانسبوغ" مع الكاتبة الساخرة المثيرة للشهوات و الجدل "أميلي نوطومب". لن أسترسل في هذا الكلام حتى لا يرتاب بعض الوطنيين جدا فيرموني بتهمة الولع بالغرب وامتداح الاغتراب وتسفيه جهود الدولة في التربية على المواطنة.
لقد رحلت الآن و كان ما كان , رافضا أي هدنة أو تطبيع مع السطحية و العبث و اللامعنى. ذهبت تاركا خلفك مدينة تكاد لا تصلح للاستعمال الآدمي , مقطوعة الجذور , بلا قلب و لا فكر ولا ذاكرة في قبضة المغول الجدد قارونات الذهب وبارونات الحشيش و لاحسو الأحذية المخزنية.
لم تكن تجربتي أقل "كافكاوية" على الأقل بالنسبة لي كشاعر سابق او فاشل بمعنى من المعاني, فقد بدأت وأنا طالب اكتب الشعر , نشرت بعضه في صحيفة "أنوال" و في بعض صحف اليسار
شاركت بعدها في الأمسيات الاوطمية بكلية الآداب بوجدة وفي ربيع الشعر الذي كان ينظمه وقتذاك فرع اتحاد كتاب المغرب, آزرني بعض الأصدقاء البنيويين عندما ازدراني بعض"المشائين" ولما أخذت تجربتي الشعرية تنضج على نار الأسئلة الوجودية انهار اليسار في "فياسكو" التناوب,فتنكر لقيمة الالتزام و اسقط من حساباته الهم الثقافي مؤثرا الاحتراق كفراشة وردية في جبهة الصراع على المواقع و المناصب و بذلك ولى زمن الفن الجميل فاسحا المجال لأشكال" فنية"هجينة جاء بها عصابة من مفسدي الذوق العام باسم الحداثة و احلام العولمة, غلمان البولفارونسانيس التيكتونيك ومطربو العلب الليلية بأصواتهم التي خربها الويسكي ومتعهدي السهرات للنجمات المنفوخات بالغرور و السيليكون و مخرجو أفلام من الدرجة العاشرة و نقاد "موسوعيون" بنصف لحية و ربع موهبة.
ولأني لست من المؤمنين جدا بمقولة أن النجاح انتقال من فشل إلى فشل بحماس كبير , تخليت عن الشعر وآويت إلى الظل عندما كان لا بد ان تتأزم الحالة الذهنية وتتراكم الأسباب الموضوعية ليتأثر إيماني به كأداة للتعبير فضلا عن أن يكون قوة للتغيير, ماذا و من ستغير بالشعر في مجتمع نصفه أمي و نصفه المتعلم يقرا نصف صفحة من النثر و يصرف نصف درهم على الثقافة في الشهر حسب الإحصائيات.
أنا لا أحاول أن أفلسف هزائمي الصغيرة و لا أتعمد السوداوية حتى أبدو عميقا غير اني استطيع الزعم أن أمثالي ممن واجهوا هذا المصير المضحك كثيرون وهذا عزاء لا أهضمه.
لهذا كله التمس منك أصالة عن نفسي و ليس نيابة عن أحد ألا تعود و إن كان بإمكانك أن تذهب أبعد، طوبى لك, كن لنفسك و لغيرنا فقد عشقنا أغانيك و قدرنا موهبتك في الماضي ونخشى عليها الآن منا. لقد فسدنا من الداخل,أصابنا فقر في الدم و الجمال و الخيال,لقد تغيرنا كثيرا.

هل كان شكري محقا حينما قال ذات اشراقة "إننا ما نصير اليه" .



1.أرسلت من قبل fouad في 25/07/2011 20:31
Maqal jadir bikateb 7aqiqi cha3R nader

2.أرسلت من قبل fouad o في 26/07/2011 00:21
رسالة فيها من جمال المبنع والمعنى ما جعلني أقرأها أعيد قراءتها مرات ومرات حتى انني نسختها لتبقى في أرشيفي....جميل ما كتبته يا رجل

3.أرسلت من قبل rien في 27/07/2011 19:20
tu n'as pas délaissé la poésie, Aderraz, car ton texte est un beau poème. un poème qui cherche à restaurer la qualité qui a péri quand occupe le devant de la scène la médiocrité à laquelle tu as subtilement fait allusion, par des demis et quarts. et ceux à qui tu fais ainsi référence ne constituent qu'un exemple de tous les autres qui nivellent vers le bas le champ culturel marocain en général et nadoréen en particulier. ce qui, pour toi justifie la fuite des grands dont El Oualid, qui risque de s'enliser au cas où il cotoierait la banalité et la médiocrité.

Mais fuir ainsi, à l'instar d'El Oualid et de toi, c'est laisser le champ libre aux médiocres qui finissent par se croire grands et abîment le beau par leur fabulation aberrante et basse. toi, tu nous reviens avec un article sublime, qui renoue avec le sublime et évince le bas, El Oualid, doit, lui aussi revenir de temps à autre pour que la médiocrité façonnant les goûts soit eclipsée par ses prestations.

4.أرسلت من قبل hafid في 28/07/2011 02:10
merci ami pour ce beau commentaire .on dirait la cerise qui manquait à ma modeste tarte.l'objectivité de votre témoignage m'est aussi chère que votre poétique et aimable présence.

5.أرسلت من قبل amine11 في 28/07/2011 15:49
في نضري صاحب المقال حاول تحليل المشهد الثقافي المحلي
له خيال واسع موضوعه مليء بالرموز والمعاني افكارك المتناسقة تجعل القارىء يعيد قراءة الموضوع بعناية اكبر,
نطلب منك مزيدا من المواضيع لأنك فعلا تجسد المثقف الحقيقي الذي يحمل الهم.....


في نفس الركن
< >

الجمعة 13 أبريل 2018 - 16:28 بعيدا عن السياسة