حكايات من زايو: الطيَّارة.


حكايات من زايو: الطيَّارة.
عصام الهرامية

إهداء إلى أمي و إلى كل الأمهات.

قد تختلف حكايات طفولتنا من طفل لآخر، و معها ذكريات مضت و لا زالت عالقة بأذهاننا، عرفنا معها العيش بأمان، و بعيدا عن مسؤولية الوالدين التي لا تحصى في بلد يعيش سوى ب(البرَكة و صافي)، فقد كانت أجواء عائلية تغمرها الفرحة من لا شيء، و تنعم بالمحبة و الحنان و لو كان ب (الصّمطة) في أغلب الأحيان.
عائلتي الصغيرة لم تكن تختلف عن باقي العائلات الشعبية البسيطةالتي تسكن في حي به (مول الكروسة) في رأس الدرب، و الذي كان يبيع الحلوى و (المسكة) إضافة إلى قناع من ورق على شكل وجه أرنب أو ثعلب، لعبنا به و (خلعنا) به أصدقاء الطفولة، هذا القناع الذي كان يُعَلّق ب( لاستيك) يدور حول الرأس و في أغلب الأحيان (يتقطع) في الوهلة الأولى، كان له ثقبتان تسمحان للرؤية لكنهما كانتا متقاربتين تستحيل معهما الرؤية بالعينان معا،
في أيام الطفولة كان الأكل بالنسبة لي شيء رهيب جدا ، بحيث أن أمي كانت تجبرني على أكل ”أكلات” في الحقيقة لا تعجبني، و مشدّدة على أسنانها و تقول: كووول العدس كووول.
فأجيبها: لا أماما مايعجبنيش العدس.
فتعيد الكرّة مرة أخرى: كووول قبل ما تاكل شي غردة ديال لعصا.
فما كان علي سوى أن أختار بين الأكل أو الغردة، (ختار و عزل أ مسكين)،
بعدها تقول: (إلى مابغيتش تاكل دابا, راك غادي تتعشى بيه و إلى مابغيتش، غدا غادي تفطر بيه). و هذا الأمر كان حقيقة حيث أنها كانت تحتفظ به داخل (سوبِّيرا) و تضعه في الثلاجة لإعادة تسخينه لاحقا. فأمي كانت لها تبريرات خاصة لأجل أن نأكل و من بينها أنها كانت تقول بأن الباطاطا (المسلوقة) بها عدة فيتامينات تساعد على النمو و الجري بسرعة و سوف تجعلنا أقوياء مثل (بوبّاي).الشيء الذي لم يحدث أبدا… فالشيء الوحيد المفضل بالنسبة لي، كان هو (البيتي سويس) و (الفقصة) أنه كان صغير جدا، فلحد الآن لا أعرف لماذا لا يوجد بالحجم الكبير و لو بثمن مضاعف، لكن أمي كانت تفضل أن نأكل الحمص و( البيصارة) لأنها أكلات مسخنة في أيام البرد، فكانت تجلسني على (هيدورة) و (مربّع ) يداي،و بجانبها (صندالة) بلاستيكية ”لوقت الحاجة” و بيدها (غرفية) طعام، فقد كانت توهمني بأن الملعقة المملوؤة ب (بركوكش) هي عبارة عن(طيّارة) تبحث عن الرسوب داخل فمي المفتوح، متبوع بصوت الطائرة الذي تحدثه بفمها، و عيناي تتبعان إتجاه الملعقة ”الطيارة” في السماء، و هكذا إلى أن أكمل الغذاء كأني في مطار ”أنجاد”، ذات يوم كنت ألعب بالمعجون ثم صنعت كعكة فأعطيتها لوالدتي كي تأكلها، فقالت لي: (كعكة زوينة هادي، غادي نديرها فالفيترينا). غضبتُ من الأمر و شدّدت على أسناني قائلا: كووووولي الكعكة كووووولي، فردت علي: لا أولدي ما يعجبنيش الكعك، فقلت لها: (إلى ما بغيتيش دابا راكي غادي تتعشاي بها و إلى مابغيتيش غادي تفطري بها.)

فمن عادتي أني أحب أكل (المرميطة) المطبوخة بعناية فوق نار خفيفة و المخضرة بكل أنواع الخضراوات و قليل من لحم الدجاج المرقد في الليمون ليلة كاملة و (مشرمل) بالقسبر و الثوم الذي -حسب والدتي-يقتل السموم جميعا و لا أعرف (شنو آخُر)، مرميطةٌ تفوح منها رائحة (العطرية) كلما رفعَت (القفّالة) لكي تذوق مذاق (الروى) الذي أحب أن (أغمِّسَ) فيه خبز ”الدار” الساخن و الخارج حالا من الفرن ”الأزرق” الذي لا يُغلق جيدا إلا ب(كالة) عبارة عن ملعقة مقلوبة.

هناك أيضا ”خداع” حسن، يجيده الوالدين، فقد فكروا في أن يمزجوا بين أشياء لا نحبها و أشياء نحبها، مثلا عند القول: يالله نلعبو نجمعو لفراش!!!! اللعب نحبه و جمع الفراش نكرهه،لكن والداي أفلحا في الجمع بينهما بطريقة عجيبة، هذا الخداع ”المتطور” ما يجنون به سوى الفعل المضاد، فمن أجل أن أنام، كانت والدتي تغني لي :نيني يا مومو حتى يطيب عشانا، و إلى ما طاب عشانا يطيب عشا جيرانا، فبعد سماعي لهذا ”الخبر ”، كيف لي أن أنام بالجوع أو إنتظار عشاء الجيران؟ أو حتى عندما تقول لي:(أنعس راه غادي بوشكارة ياكلك!)، بعد ذلك أبقى مستيقظا طوال الليل و عيناي (مبرقين) أنتظر قدوم (بوشكارة) ،فإن كان له أن يسرقني فسوف يجدني (فايق بعدا) و ليس نائم.

الأكل بالطيارة، لعبة عرفها تاريخنا و لا زال، مثله مثل تبريد الشاي في (كاسرونة)، أو تسخين خبز البارحة على (فرّاح) فوق بوطاغاز، أو سماع قولة أمي: ”وكلناكم في الصغر و أنتوما توكلونا في الكبر”، هذه عهدة علينا و الله يسمح لنا من حق الوالدين. آمين.


في نفس الركن
< >

الجمعة 13 أبريل 2018 - 16:28 بعيدا عن السياسة