دور الأحزاب السياسية في سياق الإصلاحات الدستورية


دور الأحزاب السياسية في سياق الإصلاحات الدستورية
نجيم مزيان
باحث في الدراسات الدستورية والسياسية



إذا كانت الديمقراطية هي مطمح جميع الشعوب المقهورة، وإذا كانت مهمتها هي الارتقاء بالفرد إلى درجة مواطن بكل ما تحمله كلمة مواطن من معنى وما يستلزمه ذلك المعنى من اعتراف بحقوقه الإنسانية وحرياته الأساسية الغير القابلة للتصرف، فان الحديث يقتضي التوقف على آليات ممارسة هاته الديمقراطية ووسائل إنزالها وتفعيلها على ارض الواقع، هذه الآليات والوسائل هي التي تضمن لذلك المواطن الحق في المشاركة في الشؤون العامة لوطنه، و ذلك عبر ممارسته لحرية اعتناق الأفكار والمبادئ وحرية التعبير عنها على شكل مطالب موجهة نحو النظام السياسي، كما أن تلك الوسائل والآليات هي القناة التي تسمح للمواطن بحرية التعبير عن مطالبه وفق قناعاته، ونقلها إلى النظام السياسي وليست هاته الآليات شيء غير الأحزاب السياسية.
لكي تضطلع الأحزاب بهذا الدور، يجب أن تكون معبرة عن الاتجاهات والرؤى والقناعات والأفكار السائدة في المجتمع، ومنها الحديث عن مبدأي التجدر الاجتماعي للأحزاب وتمثيليتها لشرائح من هذا المجتمع لتعبر عن قناعاته ورؤاه ومصالحه، وبما أن هذه الرؤى والأفكار والقناعات تتعدد وتختلف وقد تتعارض، فلابد من وجود تعددية حزبية عمقها التعددية السياسية. وكذلك لابد من وجود ديمقراطية حقيقية داخل هاته الأحزاب، لكي يكون مطلبها في الديمقراطية مطلبا شرعيا، ويسهل الانخراط فيها وتاطير الشباب ومنحهم فرصة الارتقاء في السلالم الحزبية وفق الكفاءة، وليس وفق منطق الزبونية والمحسوبية.
لكن المتأمل للأحزاب السياسية المغربية، يجدها تفتقر بشكل أو بأخر للمكونات السالفة الذكر، لذلك لم تستطيع أن تحقق مطامح الشباب والشرائح الشعبية في المطالبة بديمقراطية حقيقية توفر الكرامة للمواطن.


وهذا ما جعل هؤلاء الشباب وهاته الشرائح الاجتماعية، تستلهم الثورات الشعبية التي انطلقت شرارتها من تونس لتعم معظم الدول الإسلامية ولم ينفع معها الاستثناء المغربي، وهذا ما جعل الحديث عن دور الأحزاب السياسية في الحياة السياسية المغربية يعود إلى الواجهة، وذلك لسببين : كون مطالب الشارع فاقت مطالب الأحزاب السياسية ولم تكن الأحزاب هي القناة التي اتخذها المجتمع للتعبير عن آرائه ومطامعه ومطالبه، وكذلك عدم قدرة الأحزاب السياسية على تعديل موازين القوى لصالحها لأجل استكمال مسيرة الانتقال الديمقراطي التي توقفت سنة 2002 عن طريق ما سمي آنذاك بالخروج عن المنهجية الديمقراطية في تنصيب الحكومة. والحقيقة أن الأحزاب لم تستطيع عبر التاريخ الدستوري المغربي ككل أن تعدل ميزان القوى لصالحها، فكل معركة كانت تدخل غمارها الأحزاب تخرج منها منهزمة أمام المؤسسة الملكية القوية بفعل شرعيتها الدينية و التاريخية، وبفعل احتكارها لوسائل الإكراه المادي.
وهكذا فان عند كل مراجعة دستورية عرفها المغرب، بالرغم من انه كان للأحزاب دورا في طرح هاته المراجعات، إلا أن النظام السياسي المغربي استطاع من خلالها تأمين الانتقال من حالة الاحتقان وان يتكيف مع الظروف الجديدة، لكن"ضمن نسق الاستمرارية وتجاوز العراقيل الظاهرة أو التي يمكن أن تظهر" وما يمكن إثارته حول هاته المراجعات، هو أن الملكية مع كل مرة تتملك المسألة الدستورية، وتسعى إلى إعادة إنتاج النظام وفق منظور جديد لتحديث أساليب شرعنة النظام السياسي، وإعادة تشكيل الحقل السياسي المغربي.
وبالنظر إلى عدم قدرة الأحزاب الضغط باتجاه دمقرطة حقيقية للنظام، أصبحت هذه الأحزاب أو الغالبية العظمى منها بعد سنة1997 جزءا لا يتجزأ من النسق ألمخزني، بعدما عمل النظام على مخزنتها عبر مسار طويل من الصراع وإيثار نخبها كراسي السلطة المريحة بدل الزنازين المظلمة، لذلك فلا غرابة أن تكون مطالب حركة 20 فبراير رفعت سقف المطالب إلى الحدود التي أصبحت معها مطالب الأحزاب مطالب قزمية ولا وزن لها. وقد جاء الخطاب الملكي ل9 مارس بسبع مرتكزات فاقت مطالب وانتظارات الأحزاب السياسية بكل المقاييس.





وما يمكن ملاحظته في هذا الصدد، هو كون الأحزاب السياسية لم تع المسؤولية الملقاة على عاتقها كأحزاب تضطلع بادوار مهمة في الحياة السياسية، بالرغم من الحراك الذي تشهده الساحة السياسية المغربية، بان تسعى إلى ركوب قافلة النضال وبلورة مطالب و تصورات متقدمة لطبيعة النظام السياسي، لكن الذي حدث هو أن الأحزاب سعت إلى التقاط الإشارات الملكية في الخطاب لتبلورها في مذكراتها المطلبية بشان التعديل الدستوري.
وأخيرا فعوض الحديث عن مطالبة الأحزاب بإصلاحات دستورية حقيقية ومتقدمة تمس جوهر ممارسة السلطة، فالتعديل الدستوري هو الذي سعى إلى الارتقاء بالعمل الحزبي من خلال مسودة مراجعة الدستور.