زمن الرفاق: فلاشات من مصابيح الذاكرة


زمن الرفاق:  فلاشات من مصابيح الذاكرة
محمد بوتخريط / هولندا.

إهداء:
الى جميع الرفاق والاصدقاء ولكل الاخوان .
كانت ايامنا كحلم مر سريعا ، اتمنى لكم من كل قلبي سعادة بحجم نقاءكم ومحبتكم جميعا.
ورحم الله من غادرنا ولم يسجل خروجه!! ليظل اسمه يطل من سماءاتنا وكأنه متواجد ...دائما!

مصابيح الذاكرة
كالكثيرمن أمثالي جلست أتصفح صفحتي على الفيس بوك هاربا من روتين حياة تتكرر تفاصيلها اليومية و ترهقني حتى الملل . هاربا إلى عالم افتراضي ...أشارك من خلاله الاخرين , تارة بتعاليق سياسية و صور وآراء وتارة أخرى بتعليقات تتأرجح بين استفهامات هزلية وتعجب ساخر.
اتصفح مشاركات أخرى لأصدقاء آخرين، بعضهم "يُنكِت" والاخر يحلل والبعض الآخر يحيِّي ثوار ليبيا ..كل يغني على ليلاه...
استوقفتني عبارة لأحد "الفايسبوكيين" مكتوبة على الحائط الخاص بصفحته على الفيس بوك:
"غدا، سأتوجه الى الكلية قصْد التسجيل ، قبل أن تبدأ رحلتي للبحث عن مأوى للسكن في أحد الأحياء المجاورة للجامعة ..."
توقفت كثيرا عند هذه الجملة ...أعدت قراءتها ...ولم افهم ما سر اهتمامي بها الا حين أغلقت صفحة الفيس بوك على الحاسوب وأطفأتُ كل مصابيح البيت إلا مصابيح ذاكرتي(طبعا) ، واسترخيت على السرير وأسندتُ رأسي لوسادة مُريحة . حينها بدأ الماضي يطرق زجاج نافذتي ويهمس لي...كآلة تخترق الزمن ، لأسبح ببطيء لذيذ وأتجول عبر ركام محطات حياتي بورودها وأشواكها ، لترسوا بي دوامة السنين والذكريات عند واحدة من أسعد أيام وسنوات الحياة ... في عهد الزمن الجميل ...أيام الجامعة.
تذكرت أيام الحي الجامعي ظهرالمهراز...هذا الحي الذي كان قبل أن يتحول إلى غرف للاقامة , عبارة عن ثكنة عسكرية للجيش الفرنسي إبان مرحلة الاستعمار. ويعتبربالتالي من أقدم الأحياء الجامعية في المغرب.
تذكرت بَعد الباكلوريا حين كتبت نفس الجملة في ذاكراتي... حين جاء وقت القرار والرحيل....
وان تختار وجهة أخرى غير مدينتك (الناظور) وغير المدينة التي يفرضها عليك -قسرا- التقسيم الاداري/التربوي (وجدة) فذلك لم يكن بالامرالهين...كما قد يبدوا للبعض... كما انه كان ينبغي و دوما في مثل هذه الامورألا تفصح عن قراراتك الا في وقتها المناسب ...
بدأت أتأمل سقف البيت المعتم... ومع نسائم الهواء البارد المتسللة عبر النافذة بدأت رواسب الماضي تتشخص أمام عيني.. ليعود شريط الذكريات , يصور لي كيف وجدت نفسي (قبل بضع سنوات) وبعد مد وجزر في التفكير.. أحط الرحال بفاس وأستقر بفضائها الجامعي.
عطر بهارات صباحية
في باب فتوح/محطة الحافلات تستقبلك رائحة الملاوي والحرشة المتصاعدة من مقاهي المكان ممزوجة بعطرالبهارات الصباحية .. ورائحة دخان الحافلات... روائح " تعطر" المكان "بأريج عطر" لا زلت أحتفظ به بذاكرتي.
الحافلة القادمة من الناظور كانت تصل في وقت مبكر جدا الى فاس ...
الساعة لم تدق بعد السادسة صباحا.
ضجيج المكان كان مزعجا، والمسافرون يطلبون أمتعتهم ،صراخ من هنا وهناك ,لا يكاد يسمعك "الكريسور" المرابط على سطح الحافلة وانت تستجديه أن يناولك امتعتك . تسلق رجل من الجمع سُلَّم الحافلة وبدأ يساعد الكريسور على إنزال الامتعة , ولحسن حظي ان اول حقيبة سقطت بين يديه كانت حقيبتي , رمى بها باتجاهي دون حتى ان يسأل عن صاحبها وكأنه عرف انها لي ,امسكت بها اخذت بقية
الامتعة .
هل انتهيت..هل حصلت على كل الامتعة ؟
كان صوت ميمون ابن عمي ...يتفقد الامر و...الامتعة.
اجبته وانا اتلهث بفعل التعب:
لقد حصلت فقط على الحقائب , ولا زلت انتظر الباقي من الاشياء..
اردف قائلا :
لقد تكلفت بالباقي ..بقية الامتعة على الارض خلف الحافلة..تعال لقد كدت اختنق من رائحة الدخان المنبعثة من الحافلات هنا. ,
جمعنا كل الامتعة ودلفت وأياه في أول سيارة تاكسي/هوندا توصلنا الى حي "السعادة".
سمعنا انه حيا هادئا وجميلا ... لم تكن لدينا وِجهة أخرى معلومة غير هذا الحي ..بعد ان سمعنا من بعض الاصدقاء الذين سبقونا ان بيوت الكراء للطلبة تكثر بهذا الحي.
سارت بنا سيارة الطاكسي بسرعة باتجاه الحي ..في الخارج كانت الشمس قوية , أمرنا صاحب الطاكسي ان يتوقف عند أول مقهى يصادفه بالحي ...حي السعادة...
كان الوقت صباحا...نزلنا من الطاكسي وتوجهنا بكل امتعتنا الى اقرب مقهى...سألنا النادل حول ما إذا كان يتوافد على المقهى طلبة ...وبدل ان يُجيبنا عن السؤال ..سأَلنا هو الاخر :
كَنِّييوْ مَا ذِي رِيفَيَّانْ نِي ؟ ( هل انتم من الريف ؟ )
جملة اختصرت الكثير من المسافات ... تكلف النادل بأشياء كثيرة..اولها امتعتنا..
كان لازال على الجامعة شهرا كاملا قبل أن تفتح أبوابها لاستقبال الطلبة الذين يأتونها من مختلف مناطق المغرب للتسجيل واستكمال دراستهم الجامعية .وهي مدة كافية لنا للبحث عن سكن ...
سألنا النادل عن السكن والكراء...قال ان مثل هذه الامورهنا تمر كلها عبر"سماسرة" متخصصين في هذا المجال...
بعد الفطور وقسط من الراحة ، لم يكن امامنا خيار آخر غير النزول عند اصحاب " الاختصاص " هؤلاء.
لكن قبل ذلك، كان يلزمنا البحث عن مسكن نأوي إليه لليلة او ليلتين ريثما نجد مسكنا...خاصة اننا كنا واعين أن أول مشكل يواجهه الطلبة مع بداية كل موسم جامعي هو مشكل السكن.و بعد ذلك سيتحتّم علينا العودة مرة أخرى إلى الناظور لجلب الأمتعة واللوازم التي سنحتاج إليها طيلة السنة الدراسية .
جولة قصيرة في حي السعادة وحي الادارسة وحي زازا و وحي السلام كفيلة لتحمل لك انطباع حول الاسعارالمرتفعة التي تعرفه الشقق والبيوت ,
كان علينا أن نسأل كل من نصادفهم في الشارع والممرات قبل أن نعثر على "سمسار", لان القليل القليل من السماسرة هنا من يملك مكتبا.
ينشط السماسرة داخل هذه الاحياء بشكل كبير..الكل" يسمسر" على طريقته , أصحاب الدكاكين وحتى الباعة المتجولين وإسكافيي الاحياء يتحولون مع بداية كل موسم جامعي إلى سماسرة.
قبل السؤال, وقبل حتى السلام يفاجؤوك بعشرات أرقام الهواتف لأصحاب منازل الكراء، يجلبون لهم الزبائن من المكترين من الطلاب والطالبات مقابل إكرامية ..
رحلة بحث ... متعبة.
بدأنا رحلة البحث عن السكن...
على رصيف أحد الشوارع...لمحنا طفلا يضع صندوق سجائر/ الديطاي أمامه. كان يدخن اكثر مما يبيع...يدخن و يراقب المارة ...
قلت في نفسي لنسأله ربما يدلنا على دار او سمسار..
توقفنا عنده.
واحَدْ مَارْكِيزْ أخَايْ الله ياهْدِيكْ .
وبسرعة البرق أجاب وبصوت لم يختلف كثيرا عن صوتي من ما يحمل من تعب:
نحن هنا نبيع كل شيء...مَارْكِيزْ والخمر والحشيش والسجائر بالديطاي ...كل شيء ...
قلت:مَارْكِيزْ فقط !! ناوِلْني سيجارة.. اما الخمر والحشيش فأنا من يبيعه لك !!!
ابتسم وهو يناولني سيجارة ماركيز قائلا:
أنْتُومَا الروافة...خطاااار!
ترى كيف عرف أننا " روافة " كنتُ سأسأله ذاك السؤال ولكن فكرت في جوابه الاول ... فكيف لي بسؤالات أخرى..
استغربت من سؤاله ثم أكملت و سألته حول ما إذا كان يعرف أحدا ( سمسارا او صاحب منزل) يمكنه مساعدتنا في ايجاد منزل للكراء.
قال: ربما قد تكونوا من المحظوظين , فهنا يفضل البعض كراء منازلهم ل:"الروافة" لأنهم حسب زعمهم " سَاخْيِينْ" ويدفعون الثمن الذي يُطلب منهم ولكن البعض الاخر من أهالي البيوت هنا يتهربون من الطلبة "الريفيين" بحجة انهم " فيهُم الصْدَاعْ".
صدمني قليلاً فقلتُ له:
ماذا تقصد ب:"الصداع":
ابتسم قبل ان يجيب : أنتم تصطحبون فتيات إلى غرفكم، وتحتفلون كل نهاية الاسبوع ب " سَامْدي سْوَارْ".
فمن أنتم من هؤلاء : "واشْ أنْتُمَا مَنْ الِّلي" سَاخْيِينْ" ولاَّ من الِّلي " فيهُم الصدَاعْ ". !!!
أجابه "ميمون" بنوع من العصبية لم أعهدها فيه بعد ان لمح مجموعة من الطلبة محيطين بسمسار يترجوّنه بلغة أقرب إلى الاستعطاف أن يبحث لهم عن سكن للكراء .
نحن كل هذا... "سَاخْيِينْ" أُو " فينا الصدَاعْ" , بالسلامة!!
ميمون:
توطدت علاقتي به مذ كنا صغارا وتلاميذ بحكم علاقة القرابة التي تجمعنا ... قريب جدا من طبعي..
وجوده بالمدينة صحبتي ، خفف عني كثيرا من الإحساس بالغربة فرغم وجود أصدقاء من مدينتي والذين سافروا بنفس الفترة الا انني لم أكن ارتاح لأحد أكثر منه...
كان يعمر طويلا الحي الجامعي..صحبة صديقته التي احببنا ان نسميها حينذاك "عِيشَة" رغم ان اسمها كان غير ذلك. أحَبَّ الحي بسبب "الحلقيات " والنقاشات ، وكذلك بعض الأمسيات التي كانت تقام من حين لآخر..وكان يحب أن يشاركنا مشاكلنا الجامعية ،بل انه كان يخوض معنا إضراباتنا وكذلك اعتصاماتنا.رغم انه لم يكن مسجلا بالجامعة ..كان يتابع دراسته بثانوية مولاي عبدالله الخاصة.
ظللنا بعدها لسنتين معا جنبا الى جنب ولانه لم يسعفه الحظ للسنة الثانية ..توقف وبقي في الناظور... وانهيت انا السنوات الموالية دونه ومع اصدقاء جدد .. وصحبة شخص آخر من العائلة,أقاسمه البيت. عبدالواحد
عودة الى ...الرحلة.
جولتنا في الحي من أجل البحث عن كراء لم تنته بعد وكم كانت شاقة ومتعبة وما أتعبنا أكثر هو الجو الجاف والحار جدا...والذي تعرفه فاس في كل فصل صيف ، حرارة وصمت رهيب يعم شوارع الحي, الحياة هناك تبدوا وكأنها تقريبا منظمة وفق أوقات الصلاة. عند آذان الظهر تقفل الكثير من المحلات أبوابها، وتفرغ الشوارع من المارة . صمت يعم المدينة الى غاية آذان العصر ...لتعود الحياة بعد ذلك من جديد تدب في الحي .
والمعروف ايضا عن هذه الاحياء انها لا تعود الحياة الى أزقتها وشوارعها إلا بعد انتهاء العطلة الصيفية وعودة الطلبة اليها ...لتنتعش الحياة في المقاهي و لدى أصحاب الخضر والبقالة وبائعي الدجاج والأسماك خاصة الرخيصة منها وبائعي "السندوتشات" والحريرة والبيصارة واللوبية... والمطاعم "الشعبية" الصغيرة.
داخل هذه الاحياء يتعامل بعض الطلبة مع البقال ب"الكريدي"، ولا يدفعون دينهم إلا حينما يتوصلون بالمنحة الجامعية .
حديث... ذو شجون.
مع اقتراب المساء..يبدأ الطلبة في التوافد على المقاهي المطلة على الشارع الرئيسي للحي بمقاعدها الخشبية و البلاسيكية المتراصة أمامها . وجوه بعضهم تغمرها مسحة من دهشة البداية، تراها تتصفح ملفات تحوي الوثائق المطلوبة للتسجيل...
وآخرون تسمعهم يتحدثون عن السماسرة وعدد بيوت الكراء التي زاروها...والبعض الاخر يفضل تبادل أطراف الحديث بصوت هامس...حديث عن احتفال مرتقب ...حديث عن " فلآك سبيسيال" وما تستدعيه جلساته!!!
فيما الذين يأتون فرادى تراهم يغرقون في صمتهم أو يلهون بالجرائد ومشاهدة التلفاز.
البعض من هؤلاء الطلبة يفضلون العيش في السكن الجامعي أو في شقق مشتركة وذلك لأن إيجاراتها مناسبة.
ومن المناطق السكنية التي كانت محببة للطلبة , الأحياء المجاورة لحي ظهرالمهراز والليدو وليراك وذلك لقربها من الجامعة كما للإيجارات المنخفضة نسبياً هناك .
أتذكر أن طالبا كان يرفض العيش في مثل هذه الاحياء قائلا انها يملأها " الرفاق "... وكنا نضحك كثيرا كلما افتكرناه او صادفناه..كان دائما يقول :" أنا هنا من أجل الدراسة فقط بعيدا عن كل هذه الشطحات والمناورات اليسارية وتلك الانزالات الهوجاء والحروب الكلامية بل والمادية بالهراوات والاسلحة البيضاء والتي تقع عادة بين مختلف الفصائل الطلابية"..

الحديث عن الحياة داخل الحي الجامعي حديث ذو شجون ولا مجال للتذكير بالحلقيات والاجتماعات والامسيات وسفر العشاق بين أشجار الحي وخلف أسوار الكليات...والتجمعات أمام حي الطالبات.. وطوابير المطعم الجامعي ...بل وايضا المحاكمات التي كانت تفرضها أعراف أوطم والمعمول بها داخل الحرم الجامعي...محاكمة اي شخص غريب دخل الحرم أو مشكوكا في أمره او أخل بالاعراف...
أتذكر يوما تم فيه "القبض" على أحد الطلبة ( قيل آنذاك ) أنه كان مخمورا/سكران فكان لابد وحسب "الأعراف" من محاكمته .
فأجريت المحاكمة داخل حلقية بالحي الجامعي وتم محاكمة الطالب...
والغريب في الامر وانا أتجول صحبة صديقة وبالضبط خلف كلية الحقوق المحادية للحي الجامعي للطالبات لمحنا نفس الرفاق الذين حاكموا الطالب " السكران" يسكبون كؤوس " الباستيس".. و بكثير من الاستغراب الممزوج بالاحباط ربما لفكرة ما عن"الرفاق" كانت قد كونَتها سابقا ...وجدت صديقتي تسألني: اليس هؤلاء من كانوا قبل قليل يحاكمون الطالب"المخمور"؟!!
ابتسمت و قلت لها :
نعم, ولكنهم الآن... خارج أوقات العمل !!!.

يُتبع....



1.أرسلت من قبل oulad yakhlaf في 15/09/2011 14:33
اه كانت عندك صديقة ، يعني أنت تنتمي إلى اصحاب الصداع ولم تكن من أهل "" الساخيين"