سيناريو لحكايات نعيشها.


سيناريو لحكايات نعيشها.
محمد بوتخريط / هولندا


الصخب -المقلق في أحيان كثيرة- يستفز صخرة الصمت في روحي ... فأقررالكلام.
أضع سيناريو لواقع معاش أنا وأنت فيه.. وإكماله يقتضي بالضرورة تغير الحال،


الحلقة الاولى : قلوب متكسرة.

الشهر شهر يوليوز
المكان قاعة انتظار في مركز استشفاء.
الزمن التاسعة صباحا.

الساعة الثانية عشرة ظهراً, درجة الحرارة تتجاوزالثلاثين بكثير,الشمس تلفح الوجوه بأشعتها و قاعة الانتظار مكتضة بالزوار.
اطفال , رجال ونساء بل وحتى بعض الشيوخ . منهم مصطفون في الخارج ومنهم جالسون داخل القاعة .. يبدو على الجميع التعب والاعياء .. ملابس أغلبهم رثه ووجوه متربة . لازالوا ينتظرون, حيث يجب عليهم أن يدخلوا الى الفحص بعد سماع أسمائهم .
الممرات هنا خالية من الموظفين. أما خارج القاعة فتجلس مجموعة أخرى من الرجال والنساء على أرض تظللها جدران المبنى في انتظار ذويهم او اصدقائهم ,لا يبدو عليهم التعب كما الاخرين ولكن أيضا لا تبدو عليهم الراحة والسعادة!!

هناك كانت تجلس "أَمّي أرحيمو" هكذا سمعتهم ينادونها , تحمل بيدها النحيلة رزمه من الأوراق تثبت أنها هنا لأخذ نصيبها من "جرعات" الكيماوي للعلاج من المرض" الخبيث" كما تسميه . وكما يقول ابنها أنها مضطرة لرحلة العذاب هذه كل شهر...كان يتحدث وهو يناولها جرعات ماء بقنينة كان يمسكها بيده , أدارت بوجهها قائلة " أمانَ ا أحْمَانْ أمِّي إينو" .
كان يبدوا الإرهاق والتعب واضحين على وجهها وهي تتنهد وتقول "أليس من الاقضل أن أموت في بيتي يا بني".

وبجانبها كانت تجلس فتاة شابة بدا لي انها لا زالت عروسا لم يمضي على زفافها أيام وهي تداعب يديها الرقيقتين المزركشتين بالحناء , مرة تطقطق بإصبعيها الإبهام والوسطى ومرة تقلم أظافرها باسنانها ... قبل ان ترسوا يديها لتداعب شعر طفلها الصغير وهي تضع رأسه في حجرها وهو يئن ويهذي بكلمات غير مفهومة ...تقول عنه انه مصاب بالمرض" الخبيث/رهراش أعفَّان ... لو كنت اعلم إني سأتعرض وطفلي لهذا الذل لما تزوجت أبدا ، كان الأكرم لي أن أعيش وأتعذب لوحدي . نظرت اليها مبتسما ...آنذاك، تمددت على شفتيها غموض ابتسامة قاسية طوقتني بالأرق طوال ذالك اليوم..

احمد فلاح يسكن بعيدا عن المنطقة يقول انه منذ ثلاثة سنوات يتعرض لنفس رحلة العذاب يركب الحافلة في طريقه إلى المحطة ليستقل سيارة أجرة إلى هنا , وفي بعض الأحيان يُفاجئ بخبر ان عطب قد تخلل آلة ما فيعود إلى بيته وفي اليوم التالي يعود الى هنا , إنها (يقول احمد) ضريبة فرضت على من يريد أن يعالج " بالمجان" و يبقى مواطنا " صالحا " غير مشاغب , لانه كما يقول حاول يوما ان يحتج عن الوضع فهددوه بحرمانه من "الاستشفاء المجاني" فلم يكن امامه من مخرج سوى أن يقضي يومه مفترشا الأرض تحت أشعة الشمس الحارة, في انتظار الغد وإصلاح " العطب" .

داخل القاعة , امرأة عجوز هدها المرض , تشكي لجارتها تدني الخدمات هنا :" لانجد حتى ماء نشربه" نبل به جوفنا الذي كاد يحترق من فرط العطش! في هذا الجو الحار,
وإن إحتجنا إلى جرعة ماء نبل بها ريقنا علينا ان نقطع مسافة كبيرة الى المدينة لاقتناء قنينة ماء...فداخل المركز لا " كافتيريا" ولا حتى مكان نشرب فيه ماءً نقيا سوى المراحيض..

في الممر, أمام قاعة الانتظار رأيت أحمد ,شاب في مقتبل العمر, يخطو إلى القاعة متعبا، شاحبا، يبدوا وكأنه خائبا وهو يصطحب رجل مسن يئن مثل يتيم أدمت روحه مرارة الايام، تحوم عيناه الشاردتان في القاعة , يبدو بذلك وكأنه يسترجع تفاصيل لاحداث غير سارة وهو يهذي و يقول انه منذ ثلاثة أيام يتعرض لنفس رحلة العذاب من الناظور الى المركز... مضطر ليصحب والده لتلقي العلاج هنا ... يقول, ما شجعني على المجيئ الى هنا هو ما سمعته عن المركز من انه دُشن من طرف الملك وتم إنجازه بغلاف مالي إجمالي كبير بلغ اكثر من خمسون مليون درهم. بهدف تقريب الخدمات الطبية لأهالي المنطقة كما من المرضى المنتمين لمناطق نائية وخاصة منهم المنحدرين من أوساط معوزة كحالتي... ولكن الظاهر من الاشياء هنا ان الامور لا زالت تُسند الى غير أهلها..

عند مكتب الاستقبال المحاذي لباب المركز كان يقف الحاج عمر. يتفقد بين حين وآخر وضع "طاقيته" المتسخة وهو متكئًا على عكازه الذي يروي له كل يوم حكاية...يحكي عن رغبة الموت التي تراقصت كثيرا أمام عينيه، وشعوره بالعجز بعد أن بُترت رجله اليمنى بعد صراع ومعاناة طويلة مع مرض "خبيث"عضال استعصى معه العلاج . خلقت عنده يأسا مميتا ،
شعور الرجل باليأس لم يأتِ فقط من فقده لرجله فهو "قضاء الله وقدره"، كما ظل يردد .ولكن ألمه يزداد من عدم اهتمام المسؤولين بتطوير هذا المركز المتنفس الوحيد لاهل المنطقة والذي يطارده الإهمال من كل الجوانب ... لماذا نستنسخ الاشياء ولا يوجد هناك أي اهتمام أو تطويرأو تجديد أو تغيير؟ تسائل الرجل مرارا .

هي روايات طويلة لقلوب متكسرة, حالات يتقاسمها كل الوافدين على المركز وتزداد حدتها أكثر عند الشعور بفقدان الامل و الأمن ولفت الانتباه..
حالات لقلوب متكسرة رسالتها , دعوة كل المسؤولين الى رسم سياسة حقيقية اكثر فعالية واقدر على النجاح في تحقيق الاهداف التي أنشأ من أجلها المركز لخدمة المرضى الوافدين عليه ورعاية مصالحهم من ناحية ، والمساهمة في تحسين مستوى كفاءة اداء المركز من ناحية اخرى.