شباب الكولا والسوميلا ليس مسؤولا عن خيبته


شباب الكولا والسوميلا ليس مسؤولا عن خيبته



بداية ، إن استراحة - الكوردونيا - صناع الأحذية - عشر دقائق في يوم مشمس لا تعني إلا شيئا واحدا سوى السجن ، شيء ينبغي أن نتورط جميعا في فهمه وسبر أغواره ،إنه الذل والاحتقار أو لنسمه مؤقتا الحرمان في أوجع تفاصيله . فمادامت السلطة الرسمية لم تقم سوى بتخصيبه والتفرج على نتائجه الكارثية. ومادام القائد ومقدم الحي قد أديا شهادة مجحفة في حق هؤلاء . فإن تحويمة خفيفة حول واقع مزر يرزح فيه شباب ضحية ، والكشف عن تفاصيل هذا الاعتداء الظالم في حق هؤلاء بات أمرا حتميا من جهتنا كصحفيين ، ليس بغرض التشفي واستعراض الخيبات، وإنما من اجل تسليط الضوء على قضية غير عادلة وجد جزء من الشباب المغربي نفسه مجبرا على تجرع مرارتها من غير أن يكون له يد فيها.
سوسيولوجيا الانحراف

هم شباب بلا أفق، تناسلت في ذواتهم الهموم والفجائع ، وتخصبت في أبدانهم دموع ندم بلا ضفاف وخيبات بلا مدى .
انتكاس مجتمعي كهذا الذي ترد عليه الحكومة بالصمت والتجاهل ينبغي أن يعلمنا أن الشباب ليس عمولة وسقط متاع تبلله جشعيات انتخابوية ، بل رصيد ذكي قد يكون النار التي تحرق من يلعب بها من العقاريين والمنتعشين في التوقيت المناسب للمحرقة. مثل النمل تراهم يتحسسون ذواتهم تحت أشعة شمس خاطفة صباح هذا اليوم البازغ بعد أمطار عاصفية بداية الليل وأول الصباح. مذعورين مثل فئران ضالة يفركون أصابعهم الباردة المضمخة بألياف الكولا الصفراء الرخيصة ويعصرون جيوبهم الفارغة إلا من مناديل رثة بحثا عن دراهم لا تكفي سوى لفطورشاحب بارد. هم هكذا منذ اسابيع, لكن الوضع تفاقم منذ أن أضحت الانقطاعات الكهربائية مثل لعبة أطفال مخبولة , تشتغل كي تتوقف ’وتتوقف كي تشتغل وأحيانا لاتعاود صعقة البداية إلا بعد ساعات متأخرة من الليل . كل يوم ، يلج العشرات من هؤلاء الحيارى المنسيون الذين لفظتهم مدارس الميثاق والمخطط الاستعجالي قدرهم صاغرين تحت طائلة غلاف مالي لايسع للتدخين والحرشة المتجلدة. المنكوبون في شبابهم يقبعون هناك في كهوف تحت أرضية مع أول خيوط الفجر وقد لا يغادرونها إلا مع حلول الظلام في تواطؤ مكشوف بين الجشع الأنيق والفقر الرجيم ،حيث يمكثون في القعر كأي حشرة مثل كلمبوليات وقراديات أو بالأحرى ديدان الأرض التي تختلط بالتراب بعد تفسخها وتحللها دون أن تستشعرها يد إنسان.

الكولا والسوميلا رفيقهم الدائم

منذ السادسة صباحا يأسرون تحت رحمة رطوبة وبلل أزرق تفوح منه رائحة عطنة إلى غاية الثامنة مساء في الظلام ومع روائح مادة الكولا الزافرة ، لايعنيهم حجم دمار زلزال هايتي ولا عقم السجال الدائر بين الرأي العام والحكومة حول مدونة السير ، ولا تسعفهم طموحاتهم وأحلامهم المجهضة تتبع التباسات المشهد المجتمعي المتواتر ’ فقط الكولا والسوميلا رفيقهم الدائم ، الكولا خذرتهم وجعلت أنوفهم بحجم فراشة تستنشق احتياطات السنين ، ومادة الكولا طرزت أذهانهم، وجعلتهم خارج صيرورة التاريخ. كل ما يستطيعون التحدث به مصاريف التدخين وأكياس الطابا وسندويتشات ارخص ما في السوق. يحدث هذا في وقت تتكدس فيه الملايين في حساب البعض طبعا على حساب هذه الفئة في ظل تواطؤ مخز بين السلطات بصمتها وجشع أصحاب الشكارة المارقين.ومن خلال النقاش الهادئ مع هؤلاء ، يتبين لنا مدى القلق الذي يستبد بهم وحجم المشاكل الهائلة التي يواجهونها بأسلوب نقدي وموضوعي يبدو في الكثير من الأحيان واقعيا . كما يتبين لنا عمق المعاناة التي تعيشها هذه الفئة من الشباب المغر بي في عالم سريع التحولات .إن تعدد الإغراءات تعمق رغبتهم في ترسيخ معاناتهم لتحقيق عالم أفضل، وبين ارتباطهم بعملهم الذي تتحكم فيه توازنات ملتبسة وغير عادلة امتثالا يحد من قدرتهم على الحركة ومن نزعتهم نحو تمثل قيم الحداثة في أرذل الصور.
لقد ظل التغاضي والتمياك عن معاناة هؤلاء لعبة يستحلي بها وسطاء مكشوفون مقابل عمولة ، ولا يزال الوضع المزر لشباب الكولا والسوميلا يشكل إحدى دعائم التخريب والنهضة العشوائية الأساسية التي تقوم عليها حياة مدينة كفاس
كهوف ومغاور الألفية الثالثة

على هذا النحو ، تحقق تطور مذهل وسريع في هوامش المدن وأعماقها ، وصارت البراكة والكشك علامتان مميزتان لمرحلة حكم سادت وبغت وتجذر بؤسها في خيباتنا الموغلة في اللعق . ينزح الرجل بلا معرفة يستفرد به انتهازيون مارقون يسلبونه ما يملك مقابل وعد بسكن غير لائق سرعان ما تهدده السلطة ذاتها وتتلذذ بترهيبه وابتزازه ليجد نفسه تحت ضرسها الايرحم ، وتحت وطأة قهر مستبد يضطر النازح إلى تفريغ ذريته وتفرقها على المشاغل في محاولة للتغلب على بؤس الحاضر . وللإشارة إلى أهم الطفرات التي تحققت في مجال التنمية العمرانية المعكوسة نقدم الأمثلة التالية.
المشاغل أو المعامل تجاوزا التحت أرضية والتي نمت كالفطر والتي يستطيع مقدك الحي كما المواطن العادي تعدادها بالعشرات ، هي في الواقع كهوف ومغاور الألفية الثالثة غير مصرح بها ، وهي معامل تحت أرضية خارج مراقبة الدولة الرسمية من حيث التحصيل الضريبي، لكنها تحت أنظار السلطات المحلية من مقدمين وقياد ، وتكاد تكون مصدر غنى هؤلاء بالنظر إلى حجم التغاضي وعين ميكا التي يمارسونها تجاه مالكي هذه الكابات. ومن المحقق إن الملايين من الدراهم التي ادخروها والفيلات والقصور التي بنوها ترجع في الجزء الأكبر منها إلى عرق هؤلاء ، أولئك المالكين أصحاب الشكارة الذين لا يأتون إلا ممتطين صهوات الكاكت كات ذات الدفع الرباعي كي يستخلصوا ملايين الدراهم كعائدات لمنتوجهم الجلدي من أحذية وربطات وأحزمة وأشياء أخرى ، ومقابل ذلك ، كل ما يجنيه شباب الكولا والسوميلا مقابل ذلك ، هو متعة الاستنشاق القهرية . الكولا ذات المفعول القوي الملهب والذي يجعل الحياة تحت الأرض بعيدا عن أية رقابة جنة ، رائحة الكولا ولا شيء غير ها باتت الأمل والمنهى ، وغدت هواءهم الطبيعي الذي لا يستطيعون العيش دونه.
تناسل المشاغل التحت أرضية خارج سيطرة الدولة


نمت "لاكابات" بحي بن سليمان كما بمناطق أخرى بفاس المنكوبة في تنميتها الحقيقية في ظل تراخي السلطات العمومية وبالموازاة مع استحقاقات خادعة ترهن المستقبل مقابل حفنة مال أو تغاض أو امتياز مقابل كرسي لفترة وامتياز سرعان ما تتطور تداعياته كي تقود الجالس عليه إلى زنزانة أو شلل يتكالب على الجسد الغض فيحوله إلى استجداء حقير ، وبات واضحا للعيان أن هندسة البشاعة تحت تأثير عمولات تقدر بالملايين من الدراهم أمر حتمي الوقوع ، كما يبقى الجزء الأكبر من رهان المغرب في مواجهة تحديات المستقبل رهن التفاوض ، هذه الكهوف الإلف ثالثية تناسلت تحت رحمة سماسرة العقار والوسطاء غير النزيهين .تضاعف عدد المشاغل التحت أرضية ليلتهم جزء غير قليل من مناطق السكن بمنطقة المرينيين حتى بات المعمل التحت ارضي شعار كل عمارة والكثير من السكان شرعوا يهجرون الحي تاركين فضاءه لرائحة الكولا اللعينة . هذا التنامي غير المدروس كان له عواقب وخيمة على إمدادات التيار الكهربائي حيث باتت المشاغل تستورد آلات ضخمة تعالج بتا جوانب مرتبطة بتصنيع الأحذية والمصنوعات الجلدية ومواد أخرى . لا احد من هؤلاء الشباب يعرف الضمان الاجتماعي أو التامين الإجباري أو ما شابه ذلك ولم يسبق لمفتشية الشغل إن أوفدت أحد أطرها للبحث تحت الأرض عن بقايا آدميين باتوا رهانا خاسرا لأبشع مرحلة ابتزاز يعرفها تاريخ المغرب المعاصر.
هدير الآلات عصب يستدعي علاجا مستديما

وقال مقدم الحي بان منطقة المرينيين وحدها عرفت إحداث أكثر من 20 مشتلا لصناعة الأحذية التي تزود المناطق المجاورة لفاس بكل ما تحتاجه من نعل الأرض . ومعلوم إن هذه المعامل أخذت "لالكافات "سوسول" مجالا لها كي تبتعد عن أنظار السلطات ، وتبتدئ عادة بتخزين المواد كي لا تسترعي انتباه السكان أول وهلة، لكنها تشرع في إدخال الآلات والمكنات بالتقسيط حتى تصبح امراواقعا. ويكفي سماع هدير الآلات حتى تتأكد إن السكن هنا عصب يستدعي علاجا مستديما . وإذا تناولنا معضلة الضروريات، نجد إن اغلب هذه الكافات لا تتوفر على منافذ للإغاثة في حال حدوث كوارث ، كل ما يمكن أن يربط الكهف بالعالم الخارجي باب يشبه قعر زجاجة ، تنزل إليه كما لو كان بئرا تم تجهيزه بثقب تدخل ضوءا سرعان ما يموت مع بداية الزوال. أما الأيام الممطرة فالكهرباء لا تنقطع سواء للانارة أو تشغيل الآلات الضخمة ،والنتيجة انقطاعات متتالية مما سبب خسارة للعديد من السكان الذين اضطروا تحت رحمة ذلك تغيير سكناهم أو تشغيل الآليات في أوقات محددة حرصا على فسادها وإتلافها.ويلاحظ المتتبع إن جل هذه الكهوف التحت أرضية بلا رخص ولا تؤدي ضرائب بل تكتفي بإتاوات بين مالك العمارة والسلطات .
التيار الكهربائي يتردد ضعيفا ليستقر دون المعدل


ويمكن ملاحظة مؤشرات انقطاع الكهرباء بين الفينة والأخرى فور بداية تشغيل الآلات الضخمة، فيرتد الكهرباء ثم يعاود ضعيفا ليستقر دون المعدل. أما الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية فهدير الآلات لا يتوقف ليل نهار. الشكايات والعرائض باتت بلا جدوى ، بل أضحت وسيلة لابتزاز مالك الكاب من طرف السلطة، إذ كلما وصلت عريضة احتجاج من طرف ساكنة متضررة ، يصل غلاف مالي مقابل تغاضيه عن تفعيل معالجتها أو تأخير التعامل معها ، وقد يكون المسؤول الإداري أول من يفاوض بشأنها ، لقد بات الوضع مقلقا ، الساكنة المتضررة لا تطالب بأكثر من رفع التوثر الكهربائي حتى ينسجم مع احتياجاتهم درءا لخسائر تطال الممتلكات ،وقد تأتي بين لحظة وأخرى على تجهيزاتهم ومعداتهم الكهربائية التي اقتنوها بعدما رهنوا رواتبهم البئيسة لدى هولدينكات السلف لسنوات قادمة ، كما لا يطالبون مادام الواقع لا يرتفع بمساهمة هذه الكابات في خزينة الدولة عبر أداء ضرائب سنوية قارة تستفيد منها الدولة ، والاهم هو ضمان مستقبل مآت الشباب عبر ترسيمهم وتسجيلهم لدى صناديق الحماية المجتمعية وإجبارهم على إجراء كشوفات طبية للكشف عن ما يمكن أن تسببه لهم روائح الكولا اللعينة وتأثيرها المستقبلي عليهم وعلى أسرهم.
إن عدد الآلات الضخمة المتواجدة بهده المعامل التحت أرضية لابد وان يوازيها تيار كهربائي مماثل . كما أن مفتش الشغل عليه أن يقوم بواجبه لدى هذه المشاغل التحت أرضية التي لم تعد الحديث عنها محرما ولا طابو ، بل غذت خزان انتخابي ومصدر غنى غير مشروع لعدد من المسؤولين الإداريين بالمدينة الذين دخلوا المقاطعة براتب وجهاز تالكي، وخرجوا منها أغنياء وملاكي ضيع وفيلات، لكن هذا الغنى غير المشروع رهن مستقبل الآلاف من الشباب مقابل رواتب هزيلة لا تفي بالغرض في أدنى مستوياته.
مع استحالة المحاسبة العقاب السماوي سيطول لكنه آت

راتب شباب الكولا اليوم قد لا يتجاوز 100 درهم في الأسبوع ، يتسلمونه صباحا كي يسلمونه إلى بائع السجائر والطابا والحرشة والرايب أو النبيبرو قبل حلول المساء ، ليظل تكريس الفقر وإعادة إنتاجه سياسة بمنهجية واقعية ، وتحت أنظار السلطة الرسمية التي تحمل عقب كل استحقاق شعارا تنمويا فضفاضا لا تربطه بأرض الواقع سوى كولا الشباب الضائع ، وسوميلا أحلامه المجهضة تحت أقدام برجوازية خانزة فاحت روائح عطنة جراء تكالبها الرهيب ضد أمل الوطن ، ومستقبل البلد الذي ضاع وسط جشعهم الذي بات بلا ضفاف ، ثم نما واستشرى تحت أنظار الدولة الرسمية . فمن ياترى يستحق المحاسبة القانونية على ضياع حقوق هؤلاء الشباب في بلد قيل عن عهده الجديد الكثير من التأهيل وافتري على شبابه بالرعاية وإعادة الإدماج واعتباره من الأولويات التي يجب أن ينكب على تفعيلها في إطار المقاربة العقلانية الكفيلة بتحقيق الإقلاع المنشود ، إلى ذلك بقي أن نهمس ، عقاب سماوي قد يطول انتظاره لكنه آت، مادام العقاب الأرضي متكالب في شأنه .

عزيز باكوش