صنع القرار الخارجي في ظل الدستور الجديد


صنع القرار الخارجي في ظل الدستور الجديد

أحمد المرابطي

فــي مجـال السياسة الخارجية علـى (Decision-making) إن الحديث عن صنع القرار
ضوء بنود الدستـور الجديد، يقتضي منــا أولا التعرف علـى واقع هذه العملية السيـاسية
قبل المراجعة الدستورية الأخيـرة، و ذلك حتى نتمكن من ملامسة (Political process)
و رصد مدى التقـدم من عدمه علــى مستوى دمقرطة هذه العملية التقريـرية، من حيث
السلطـات المخـولة للأجهــزة والمؤسســات الرسمية وكــذا الأدوارالمفترضة للهيئــات
فــي صياغة و بنــاء أفعـال و استراتجيات (Non-state powers( والقوى غيرالدولتية
الدبلوماسية المغربية.

و جديربالإشارة إلى أنه ثمة عدة مقاربات علمية أنتجها فقهــاء القانــون الدستوري
و علماء السيـاسة و الإدارة لدراسة عملية إنتــاج القــرار السياسي فــي النظم السياسية
أن الإهتمــام بموضـوع Lucien Sfez الحديثة. و فــي هذا الإطــار، يرى لوسيان سفاز
القرار السياسي شهد طوريين أساسيين :

- طورالنظرية التقليدية، حيث يرتبط القرار بوضع السلطة والدولة التي كانت تقوم على
حكم الفرد. و يتعلق الأمرفي هذا الشأن بالدولة التيوقراطية والإستبدادية في عهد الملكية المطلقة. و يظهرالقرار فـــي هذا السيـاق بخصــائص الفردية التـــي تطبع طبيعة الحكم
و السلطة.
- و طور النظريات الحديثة التــي تواكب التحول الذي حدث فــي طبيعة النظم السيـاسية المعاصرة. و تنطلق من مفاهيــم الدولة اللبرالية. حيث يظهر الإهتمــام بموضوع القـرار السياسي منطلقا من مفاهيم العقد الإجتماعي، و فصل السلطات و نظرية الإرادة العامة(1)

و بنـاءا على ذلك، فإن النظم السياسية بعامة و النظم الدبلوماسية بخـاصة لا تكــون ديموقراطية إلا إذا استندت إلـى خيارات الأمة و احتكمت إلـى سلطة الإرادة العامة فــي
تحركاتها العمومية و قراراتها السياسية، الداخلية الخارجية.


أولا / صناعة القرار الخارجي ما قبل دستور 2011

لم تكن وزارة الخــارجية ضمن وزارات السيـــادة فــي فجـر الإستقــلال بل ضمن
الوزارات العادية. لكن منذ تولـي الحسن الثاني العـرش، جعل هذه الوزارة ووفق بندي
و 31 من دستور 1962 من وزارات السيادة الثابتة. و رغم استفراد القصر بتدبيــر 19
الشـأن الخارجــي، إلا أن الأحزاب الوطنية كــان لهــا تأثير بين الحين و الآخر و بقوة
الشارع على صنع القرار الدبلوماسي في أكثر من محطة سياسية بارزة(2)
لكن و بحكم طبيعة النظـام السياسي المغربـي المتميزأساســا بقطبية الملك داخله، فإن السياسة الخارجية المغربية، ولاسيما ما يتعلق بتحديد خياراتهـا الأساسية والإستراتيجية،
تبقى حكرا على الملك، لما يتمتع به من سلطات واختصاصات شاملة و سامية تجعل منه السيد في تسيير الشؤون الخارجية (3)..و ذلك بالشكل الذي يجعل من عملية اتخاذ القرار عملية متمركزة و شبه مغلقة على حد تعبيرالباحث الإسباني ميغيل هرناندو مؤلف كتاب السياسة الخارجية للمغرب. (La politica exterior de Marruecos)
فالملك- دستوريا- هو الذي يوقع المعـاهدات و يصادق عليهـا، ويعتمد السفـراء لــدى
الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، ولديه- أيضا- يعتمد السفراء وممثلوالمنظمات الدولية.
و إذا كان الملك هـــوالـذي يرأس المجلس الوزاري، فإن الفصل24 من الدستـور ينص
على إحالة عدد من المسائل ذات الصلة بالسياسة الخارجية على المجلس، من بينها :
القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة والإعــلان عن حـالة الحصارو إشهار الحرب..
بما يعني أن الملك هو الذي يستأثر بصنع كل القرارات الكبرى لهذه الأخيرة.

و عموما، فإن المركزالخاص الذي يحتله الملك في النسق الدستوري يمنحه صلاحيات دستورية واسعة، فضلا عن سلطات أخرى ذات طبيعة "خارج دستورية" أوكما يسميها الأستاذ سعيد الصديقـي ب "الأسس اللاشكلية" التـي تدعم اختصـاصات الملك في صنع
و إدارة دفة السياسات العمومية.
و رغم القيود الدستورية و الحدود الموضوعية التي قد تعترض هذا المجــال المحفوظ للملك، فإن ذلك لا ينتقص في شئ من السلطات التقريرية التي يتمتع بها العاهل المغربي الذي يبقى بمثابة المحرك الأول و الأخير للماكينة الدبلوماسية المغربية.
فــي تحديـد الخطــوط العريضة central actor و القول بأن الملك هـو الفـاعل المركزي
، لا يعنـي عدم وجـود أطراف foreign policy و التوجهات العـامة للسياسة الخارجية
دستورية تساهم هي الأخرى في تحديد و بلورة هذه الأخيــرة. فالوزيــرالأول يتدخل في
المجـالات التـي تسمـح بالتفويض فــي السلطــات، كإجـراء المفـاوضات باسم المغرب،
والتوقيــع علــى المعاهدات و تمثيــل المغرب فــي المؤتمرات الدولية و لقــاءات القمة
المتعددة الأطراف، وكذا حضور بعض اجتماعات المنظمات الدولية.
كما أن وزير الخارجية يتولى، بحكم طبيعة الجهاز الذي يديره، إعداد و تنسيق كل ما
يتعلق بالعلاقات الخارجية المغربية مع الدول أو المنظمات الدولية، لكن طبعا فـي حدود الخطوط العامة التي ترسمها الرؤى و التصورات الملكية..
و بصفة عامة، فإن الحكومة فـــي المغرب- كمـا يرى محمد شقير فــي كتــابه القرار
السياسي المغربي- تبقى جهـازا للتسيير و ليس جهـازا للتقرير مـادام أن منبع السلطة لا
يكمن فيها و إنمــا ينعكس عليها من خـلال سلطة أعلى و هـي السلطة الملكية. و هذا هـو
عين ما كان يؤكد عليه صراحة المرحوم الحسن الثاني، غير ما مرة.




ثانيا / ما الجديد في الدستور الجديد ؟


لقد جاءت الوثيقة الدستورية الجديدة و كلهـا روح و أمل فـي بنـاء دبلوماسية فاعلة، طمـوحة ومتكيفة مع المتغيــرات الإقليمية والعـالمية الجديدة. ويتجلــى ذلك من خــلال
السعي الطموح للمغرب نحو تنويع الشركاء في علاقاته الخارجية.

وفي هذا الصدد، تؤكد و تلتزم المملكة المغربية في ديباجة دستورها بما يلي:
- العمل على بناء الإتحاد المغاربي كخيار استراتيجي.
- تعميـق أواصـر الإنتمــاء إلـــى الأمة العربية و الإسلامية و توطيــد وشـائج الأخوة
و التضامن مع شعوبها الشقيقة.
- تقوية علاقات التعــاون و التضامن مع الشعـوب و البلدان الإفريقية، ولاسيمـا بلدان
الساحل و الصحراء.
- تعزيز روابط التعاون و التقارب و الشراكة مع بلدان الجوار الأورو- متوسطي.
- توسيع و تنويع علاقات الصداقة والمبادلات الإنسانية والإقتصادية والعلمية والتقنية
و الثقافية مع كل بلدان العالم.
- تقوية التعاون جنوب جنوب "
هذا بالإضافة إلى التأكيد علــى سموالإتفاقيات الدولية على التشريعـات الوطنية الـذي
من شـــأنه توفيـــرالشـــروط أكثرمن أجـل الإندمــاج الإيجـابي والفعــال للمغرب فــي منظـومة العوالم المتقدمة.

إذا كانت هذه هــي الأجندة الكبرى التـــي تسعى الدبلوماسية الوطنية إلـــى تفعيلهـا
و تحقيقها في علاقاتهـا الدولية والإقليمية، فما الجديد الــذي أتت به الوثيقة الدستــورية
على مستوى المؤسسات والهيئات الساهرة على هندسة القرار الدبلوماسي وتوجيه فعل
و سلوك السياسة الخارجية المغربية؟
على غرار الفصل 31 من دستور 1996، ينص الفصل 55 من الدسنور الجديد علـى
أن الملك هـو الـذي يعتمد السفـراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، و لديه يعتمد السفراء وممثلوهذه الأخيرة. والملك هوالذي يوقع على المعاهدات ويصادق عليها.
لكن إذا كان الدستـورالسابق قد قيد توقيع الملك فقط على المعاهدات التي تترتب عنها
تكاليف تلزم مالية الدولة ، فإن الدستـور الحالـي وسع نطاق هذه القيود ليشمل كذلك معاهدات السلم أو الإتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، و معــاهدات التجارة، أو تلك التـي
يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، أو تلك التــي تمس بحقوق و حريات المواطنيـن، العامة و الخاصة...حيث لا يمكن للملك توقيعها إلا بعد الموافقة عليها بقانون.
و بمقتضـى الفصل 49، يتداول المجلس الوزاري -الذي يرأسه الملك- فــي القضـايا
و النصوص التالية:
* التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة.
* التوجهات العامة لمشروع قانون المالية.
* مشاريع النصوص المتعلقة بالمجال العسكري.
* مشاريع القوانبن.
* إشهار الحرب.
* تعيين السفراء باقتراح من رئيس الحكومة.
مجلس أعلى للأمن يرأسه new constitution وعلى جانب آخر، أحدث الدستور الجديد الملك، كهيئة للتشــاوربشأن استراتيجيــات الأمن الداخلــي والخــارجي للبلاد، و تدبيــر
الأزمات، والسهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة.
إن الملاحظة الأولية التــي يمكن لمتتبع الشـأن السيــاسي المغربي، أن يلحظهــا بهذا
الصدد، هــي أن الدستـور الجديــد جــاء ليعززسلطــات الملك، من خلال إعــادة إنتــاج
لصلاحياته التقليـدية فــي ممــارسة السلطة، و ذلك وفق منطق التغييــرمن داخـل نسق الإستمرارية.
أما على صعيد أدوارالحكومة في صنع و تحديد القرارالخارجي، فإن الفصل 88 ينص علــى أن يعرض رئيس الحكومة أمــام مجلسـي البرلمـان البرنـامج الذي يعتزم تطبيقه،
ويجب أن يتضمن هذا الأخيرالخطوط الرئيسة للعمل الذي تنوي الحكومة القيـام به فـي مختلف مجالات النشاط الوطني وبالأخص فـي ميادين السياسة الإقتصادية والإجتماعية
و البيئية و الثقافية و كذا الخارجية.
كما يتداول مجلس الحكومة في عدة قضايا و نصوص من بينها :السياسة العامة للدولة
و السياسات العمومية و المعاهدات الدولية(الفصل 92)
نفس الشئ يمكن أن نلاحظه هنا،وهوأن أدوارالحكومة تبقى مقننة ومحدودة في مجال صنع السيـاسـات العمومية.. ومــا يحد من فعـالياتهـا أكثـر،هـوأن جميع مـا تبـاشـره من
إلا بعد ( ne peut pas entrer en vigueur ) اختصـاصات لايمكن أن تدخل حيزالنفـــاذ
المجلس الوزاري لا مجلس الحكومة.

وفيما يتعلق بدور البرلمان بهذا الصدد، فإنه بالإضافة إلى ممارسته للسلطة التشريعية
و تصـويته علــى القوانيـن ومراقبته للعمل الحكومــي وتقييمـه للسيـاســات العمــومية
( الفصل 70)، يعقد جلسات خاصة في حالات عدة، من بينها الإستماع إلى رؤساء الدول
و الحكومـات الأجنبية (الفصل 68).
و تجدر الإشارة في هذا السياق، إلـى أن الدستور قد ضمن، بصفة خاصة، للمعارضة المساهمة الفاعلة في الدبلوماسية البرلمانية للدفاع عن القضايا العادلة للوطن و مصالحه الحيوية (الفصل 10)، و ذلك انسجاما مع الإستراتيجية الجديدة التــي يحـاول الملك محمد السادس إرساءها في إطار سعيه لتحديث و تطويرأداء الدبلوماسية المغربية (4)
و يندرج هذا الإقرار الدستوري بأهمية الدبلوماسية البرلمانية في إطار خاص يرنومن خلاله الدستورالجديد إلى التأسيس لثقافة الحكامة الجيدة و دمقرطة عملية صنع القرارفي السياسة الخارجية خاصة، و السياسات العمومية بصفة عامة.
و في هذا السياق ربما، جاء الفصل 12 لينص على مساهمة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام و المنظمات غير الحكومية في إطارالديمـوقراطية التشاركية سواء في إعداد
أو تفعيل أو تقييم قرارات و مشاريع لدى المؤسسات المنتخبة و السلطات العمومية.
و فــي ذات السياق، ستعمل السلطات العمومية علــى ضمــان أوسـع مشــاركة ممكنة
للمغــاربة المقيمين فـي الخارج فــي المؤسسات الإستشـارية وهيئــات الحكـــامة الجيدة
المحدثة من قبل الدستور أو القـانون (الفصل 18)، لا سيمــا و أن الدستـور الجديد قد دستر مجلس الجالية المغربية بالخارج الذي يتولى إبداء آراءه- التي تهم مغاربة المهجر- حـول
توجهــات السياسـات العمومية (الفصل 163).
و عموما، يمكن القول أنه ثمة تقدما نسبيا ملحوظاعلى مستوى دمقرطة العملية التقريرية للسياسة الخــارجية المغربية، و ذلك رغم استمـــرار وصاية الملك علـــى توجهات هذه
السياسة، و تحكمه المحكم في توجيه خيوط اللعبة الدبلوماسية.
إلا أنه لابد من التأكيد على أن الأوراش الإصلاحية الكبرى من قبيل مراجعة وإصلاح
القطاع الدبلوماســي، يجب أن تبقــى دائما مفتوحة حتــى يستطيع المغرب أن يكون فــي
مستوى مسايرة ما تقتضيه التحولات الجارية على الساحة العالمية.
و حتــى يضمن المغرب فعــالية جهازه الدبلوماسـي، فإنه لا مناص من القيـام الدؤوب
، و تفعيل آليــاتHuman capital بالتكوين المستمر و التأهيل الرشيد للرأسمال البشري
فـــي إعداد و تنفيــذ السياسة الخـارجية.. هذا مع Good Governance الحكامة الجيدة ، التـيnew -media ضرورة استثمار ثورة وستائل ووسـائط الإعلام أو الميديـا الجديدة
أصبحت تظطلع بدور فعال في تنشيط الحراك السياسي و العملية الدبلوماسية (5)

وفي الأخير نشير إلى أن مصادقة مجلس الحكومة على مشروع المرسوم (رقم 428-
-11-2) المتعلق باختصاصات و تنظيم وزارة الشؤون الخارجية و التعاون في الآونة
الأخيـرة، يشكل خطوة أساسية و مهمة فــي مسيــرة إعادة بنـاء و تحديـث المنظــومة
الدبلوماسية المغربية.


.















الهوامش/

1- Lucien Sfez, Critique de la Décision, Presses de la fondation nat, Paris, 3éme Edition, 1989,p. 10
نقلا عن: منصف السليمي، صناعة القرار السياسي الأمريكي، مركز الدراسات العربي-الأوروبي، باريس، طبعة أولى،1997،ص.102
2- حسين مجدوبي،" الدبلوماسية المغربية بين الإحتكار الملكي و البحث عن التوازنات البرغماتية في الســاحة الدولية منذ الإستقلال و حتـى بداية القرن 21"، مجلة وجهة نظــر، العدد 48، ربيع 2011،
ص.29
3- سعيـد الصديقـي، "المؤسسة الملكية و السياسة الخــارجية: قراءة فــي مفهــوم ' المجال المحفـوظ'
و مسارات التنفيذ، مجلة الدولية، العدد الثالث2007، ص.100
4- أنظر الرسـالة الملكية المؤرخة ب: 28-04-2000، الموجهة إلـــى الندوة التـــي نظمهــا النــادي
الدبلوماسي المغربي.
5- نظرا للأهمية التي أمست تكتسيها النيو- ميديا في الحياة السياسية اليوم، عمد الرئيس باراك أوباما
فـــي الآونة الأخيرة إلـــى تعييــن المدير العام لموقع تويتر الإجتماعي وأحد كبــار مسؤولـــي شركة
مايكروسوفت مستشارين لأمن وسائل الاتصال.