عبد السلام بوطيب : الخاسرون في فرنسا


عبد السلام بوطيب : الخاسرون في فرنسا
ناظور24:


"الخاسرون" فلم وثائقي ممتاز للصديق إدريس ديباك ، الذي يحب أن يقدم نفسه كاسباني من أصول أمازيغية، يتمحور الفلم عما يعرف عند الأسبان ب " مغاربة فرانكو". وهم الريفيون الذين أقحموا عنوة في الحرب الأهلية الاسبانية التي دارت رحاها من 1936 إلى 1939 ، و قضى منهم الآلاف ،جزء كبير منهم أطفالا لا تتعدى أعمارهم نهاية العقد الأول ،مما يجعل منها ، حسب الأدبيات الحقوقية الحديثة ، إحدى أكبر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفتها الإنسانية في القرن الماضي ، و التي تستوجب بالتالي شجاعة سياسية كبيرة لمعالجتها معالجة حقوقية سياسية، تحتكم إلى مبادئ حقوق الإنسان وحكم القانون وقيم الديمقراطية و القانون الدولي لحقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني .

عود على بدء ، لم يكن ممكنا أن ارفض الدعوة التي تلقيتها من صديقي جوسيف كونساليس ،رئيس إحدى أكبر و أهم الجمعيات الاسبانية التي تشتغل بفرنسا على الذاكرة الأليمة للحرب الأهلية الاسبانية ،خاصة و أن قيادة جمعيته قررت أن تستحضر هذه السنة، و بشجاعة قل نظيرها لدى كافة المشتغلين على الحرب الأهلية الاسبانية من اليمين و اليسار و غيرهم ، ذاكرة " مغاربة فرانكو" ، أي ذاكرة أولئك الريفيين ، البسطاء و الأميين و الفقراء، الذين أجبرتهم الطغمة العسكرية الانقلابية التي كان يقودها "الجنرال " فرانسيسكو فرانكو لخوض حرب ليسوا طرفا فيها و لا تعنيهم لا من قريب أو بعيد ،
و لأول مرة منذ بدأت الاشتغال مع ثلة من كبار الحقوقيين و المؤرخين و الفاعلين السياسيين المغاربة على الملفات الحقوقية – السياسية العالقة بين المغرب ومحيطه الجيوسياسي ، و خاصة مع أسبانيا، في إطار " مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية و السلم "، حضرت إلى نقاش علمي و عقلاني و عميق حول موضوع " مغاربة فرانكو"، و هو موضوع ما زال يؤثر سلبا على صورة المغاربة في المخيال الجمعي للأسبان بجميع أطيافهم، بما فيهم من استعملوهم وورثتهم الذين يحكموا اليوم في مدريد ، و يؤثر بالتالي على راهن و مستقبل العلاقة المغربية الاسبانية .

لن أكشف سرا إن قلت هنا أنني حوصرت بعد الانتهاء من مداخلتي حول الصيغ المقترحة من طرف مركزنا لمعالجة الموضوع بأسئلة ملتهبة و شائكة ، و ليس من قبيل " العنترية" التي أمقتها بشكل شديد ، أن أقول أن الاشتغال الطويل و العميق حول الموضوع ساعدتني على إقناع الحاضرين في الندوات الأربع التي أعقبت مشاهدة " الخاسرون" بما نقترحه من معالجة للموضوع بالاعتماد على "تكييف" آليات العدالة الانتقالية ، و ضرورة التفكير في تأسيس لجنة مستقلة للحقيقة والإنصاف وبناء المستقبل مكونة من خبراء مغاربة وإسبان( مؤرخون – قانونيون – حقوقيين – رجال الاقتصاد......)، هدفها بناء خطة عمل منهجية أو ما يمكن تسميته بخريطة الطريق في مجال البحث عن الحقيقة والإنصاف وبناء المستقبل ، اقتراح أشكال العمل والترافع لدى الحكومة المغربية والحكومة الإسبانية والمنظمات الدولية.


، الا أن السؤال الذي لم أستطع الإجابة عنه هو " لماذا لم يمر " الخاسرون" في القناة الثانية التي مولته ، لماذا تحجب الدولة المغربية – عن طريق القناة الثانية – الحقيقة عن المغاربة ، لماذا تم إهدار أموال دافعي الضرائب في عمل فني لم يبث و كان مآله دولب مكتب أحد القائمين عن القناة .
من شأن مرور " الخاسرون" في التلفزة المغربية أن يساعد المغاربة جميعا للتفكير العميق معنا للإجابة على السؤال الذي طرحناه منذ قبل أزيد من أربع سنوات وهو " ما هي طبيعة الانتهاك الحقوقي الذي مارسته اسبانيا عندما زجت قسرا بمغاربة فقراء، أميين ، بعيدين عن موضوع الصراع في حرب أهلية داخلية ،وكيف يمكن معالجة هذا الانتهاك معالجة حقوقية تستمد آلياتها من آليات العدالة الانتقالية تحتكم إلى مبادئ حقوق الإنسان وحكم القانون وقيم الديمقراطية وعلي الخصوص القانون الدولي لحقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني ؟ .
على سبيل الختم ، ليس صدفة أن لا تنعقد ببلادنا أي ندوة أو نشاط رسمي يهم هذا الموضوع البالغ الحساسية ، و الذي يضغط – كما قلت أعلاه - بشكل رهيب على حاضر و مستقبل العلاقة المغربية الاسبانية ، وليس من باب السهو أن لا يرد عباس الفاسي الوزير الأول السابق عن رسالة وجهناها إليه سنة 2008 في الموضوع ، و ليس من باب عدم الانتباه إلينا أن تصم الأذان عن اجتهاداتنا في الموضوع ، و ليس من باب المزايدة السياسية أن نقرر في إدارة المركز الشروع في التنفيذ العملي لتوصيات ندواتنا السابقة المرتبطة بالموضوع ، فمنذ قبل أزيد من أربع سنوات انتهت ندوة تطوان التي نظمها مركز الذاكرة المشتركة و المستقبل إلى الخلاصة المنهجية الآتية " لئن تباينت المداخلات بين صعوبات إعمال هذه المقاربة وبين إمكانية توظيف بعض جوانب هذه المقاربة؛ فإن معرفة ما جرى، والكشف عن الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، الخ. كلها قضايا تتطلب إبداع مقاربات تقوم على ابتكار منهجيات اشتغال يكون فيها دعم الديمقراطية وإعمال مبادئ حقوق الإنسان حجر الزاوية بحيث تنطلق الأسئلة حول : من أمر؟ ومن نفّذ؟ ومن استفاد؟ في محاولة لاستجلاء الملابسات وتسليط الضوء على الظرفية التاريخية والسياسية التي جعلت شعوب البلدين يعيشان ما عاشاه أثناء هذه الحرب وأن يرزحا تحت مخلفاتها التي لازالت ترهن مستقبلهما وتغذي عوائق ومعوقات المصالحة بين البلدين بالرغم من التاريخ والجغرافيا التي تجعل منهما حلقة وصل بين قارتين وحضارتين، ناهيك عن الأبعاد الجيواستراتيجية لكل هذا.
و بالإضافة إلى هذه الخلاصة المنهجية الهامة يمكن أن نجمل المقترحات التي تضمنتها مختلف المداخلات المقدمة في ثلاثة محاور :

1 -أن الكشف عما جرى وبناء معرفة تمكن من تشخيص موضوعي للوقائع يفترض فتح الأرشيفات الوطنية للبلدين وعلى الأخص الأرشيف الإسباني مع ما يتطلب ذلك من تشجيع للبحث التاريخي، دون إغفال دعم العمل الحقوقي لا من خلال هذا البحث العملي بل وكذلك من خلال توفير فضاءات عمل للمجتمع المدني وباقي المؤسسات (حكومية أو غير حكومية) في البلدين في إطار شراكات تدعم سيرورة البناء الديموقراطي في البلدين وتتأسس على الاحترام المتبادل للشعبين.
2 - معالجة هذا الملف لا يجب أن تقف عند المعالجة الحقوقية للأفراد بل يجب أن تتجاوزها إلى تناول الظرفية التاريخية لمجتمع برمته وذلك عبر المستوى التطرق لموضوع المشاركة برمته وتشعباته من أجل الكشف كذلك على المعوقات التي أفرزها أمام التنمية بمختلف مستوياتها (البشرية والاجتماعية والثقافية ...).

3- المرور نحو برامج تنموية تقوم على جبر الضرر بشكل يجعلها جسرا نحو بناء فضاءات مخصبة للمستقبل القائم على ذاكرة مشتركة (بصيغة الجمع) بما يجعلها تعيد النظر في الصور النمطية المنتجة عن الآخر وتتأسس على الاحترام المتبادل للآخر ولثقافته.
و به وجب الإعلام و التذكير .
انتهى.

عبدالسلام بوطيب ، رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية و السلم