عليك ان تحزم حقائبك... وترحل .


عليك ان تحزم حقائبك... وترحل .
(تعلَّم الهولندية داخل مهلة ثلاث سنوات وعلى نفقتك الخاصة..وإن رسبت في الامتحان , عليك ان تحزم حقائبك وترحل)..

هو ليس مجرد عنوان تصدر صفحات الصحف والجرائد الهولندية هذه الايام ولكن هو واقع مر...سيعيشه كل قادم جديد الى هذا البلد الذي يُقال أنه بلد تتعايش فيه كل الديانات والثقافات!
هو مشروع قانون جديد وافقت عليه الحكومة الهولندية وسيدخل حيز التنفيذ. قانون قررت الحكومة بموجبه إلغاء كل الدعم الذي كان يُقدَّم لبرامج الاندماج وتعليم اللغة الهولندية للمهاجرين. فلا أموال بعد اليوم لنوادٍ تساعد على الاندماج ، ولا دعم للمنظمات الثقافية والاجتماعية ، ولا دعم للعديد من البرامج التي كانت تيسّر الاندماج مثل دروس اللغة الهولندية أو دورات المواطنة.
وعليه. فعلى المهاجرين أنفسهم تحمل كل مصاريف تعلم اللغة الهولندية، كما ان عليهم هم أنفسهم البحث عن اماكن تعلمها والالتحاق بالدورات التعليمية لها .
وكل هذا قد يبدو للبعض ( ربما) أمرا عاديا خاصة ان نفس الاجراءات معمول بها في بلدان أخرى كثيرة , ولكن الخطير في الامر والذي يحمله هذا المشروع الجديد هو ان من يرسب بالامتحان يفقد تصريح الإقامة في هولندا، مع استثناء واحد ووحيد والذي لم تتوضح معالمه بعد وهو في حالة ما إذا كان هناك "أسباب مقنعة" لذلك!!!...
وهو الشئ الذي يعيبه الكثيرعلى الحكومة الهولندية ويرون أنها تتعامل مع مثل هذه المشاكل على أنها "مسؤولية شخصية"....
تعلم الهولندية على نفقتك الخاصة.
نعم , قد لا نختلف على ان على اي شخص أن يتعلم لغة البلد الذي يسكنه ويعيش فيه خاصة وانه يعيش في كنفها, كما ان البلد ايضا يستفيد من ذلك باعتبار ان الشخص المتعلم لهذه اللغة يحقق بذلك نوعا من الثقافة الانسانية لتلك اللغة واهلها.
ولكن الإشكال الذي يُطرح هو كيف يمكن معالجة مشكلة اندماج آلاف النساء (مثلا) من ذوات الأصول المغربية اللواتي قضين سنوات طويلة في المغرب ومثلها في هولندا دون أن يتعلمن لا اللغة المغربية ولا الهولندية ، مما أدى الى عزلتهن عن مجتمعاتهن الى حد كبير...لنأتي اليوم وبعد كل هذه السنوات ونطالبهن بما لا طاقة لهن عليه , وهن التائهات ابدا , لم "يندمجن" لا في بلدانهن الاصلية ولا في بلدان الاقامة.؟
قد لا نختلف هنا إذا ما كنا نتحدث مثلا عن الاطفال والذين يكتسبون ثقافة مجتمعهم اكتسابا رئيسيا عن طريق اللغة. فهم من خلال انخراطهم المباشر في المسارين التربوي والتعليمي يستطيعون التأقلم في إطار المجتمع الجديد وبشكل طبيعي .على عكس "ذويهم" الذين يجدون صعوبة في التأقلم لأسباب قد تتأرجح بين اجتماعية واقتصادية ونفسية ...من جراء شتى أنواع القلق واليأس والأحباط والانفصال عن الوطن الأم، والمستوى الدراسي المتدني جدا عند الكثر منهم والذي يصل في حالات كثيرة الى مستوى الامية... الى ما الى ذلك من اسباب اخرى...
سياسة "الاندماج" مجرد خطاب سياسي وإيديولوجي ؟..
مما لا شك فيه ان روح التسامح والأنفتاح الذي كان يلقاه المهاجرون في هولندا, شجع العديد منهم على إبداء الرغبة في الإندماج سواء من اجل عيش أفضل كما لصنع مستقبل أفضل كذلك, وما ساعدهم اكثرعلى ذلك هو ذلك التميز الذي كان يتمتع به المجتمع الهولندي عن غيره من البلدان الأوربية الاخرى بتقبل الاخر والتسامح معه. لكن هذا التسامح والأنفتاح سرعان ما عرف دهاليز أخرى مع بدايات هذا القرن, عندما بدأت بعض وسائل الإعلام وبعض الشخصيات السياسية الهولندية كما ايضا بعض شخصيات المجتمع من مسلمي هولندا انفسهم يخططون لحملات مسعورة ومثيرة للإستياء ورسم معالم جديدة لصورسيئة عن المهاجرين /المسلمين .. وقفْز الأحزاب اليمينية على بعض الاحداث وسعيها لاستغلالها واستغلال الخوف من هؤلاء المهاجرين والذي تزايد مع تلاحق بعض الأحداث الغير منتظرة والتي عرفها المجتمع الهولندي الذي كان ولا زال الى حد ما مثالا للأستقرار والتعايش رغم تعدد ثقافاته ,, مجتمع عُرف عنه تسامحه وقبوله الآخر بثقافته و ديانته وعاداته وتقاليده.
فماذا تغير إذن , لتتغير معه كل هذه الامور.. ويتغير بالتالي مفهوم الاندماج وكل السبل التي كانت تؤدي اليه ؟ لتبقى سياسة "الاندماج" مجرد خطاب سياسي وإيديولوجي بعيدا عن الممارسة اليومية التي تكشف في واقعها عالمين مختلفين تماما وبعيدين عن بعضهما البعض . واقع "التذويب" و"الانصهار" ( كما يحلوا للبعض مِن مَن يحبون تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية أن يسموه ) واقع تفرزه بعض المخططات هنا , وواقع "المقاومة" والذي يعيشه المهاجر ويتعايش معه بأشكال مختلفة ومتباينة ضدا على بعض المشاريع وبعض المخططات التي يرى انها تستهدفه . وبالتالي يجعل هذا الواقع من علاقة المهاجر بالبلد المحتضن له, علاقة صراع وصدام بدل علاقة انصهار واندماج وهو الشئ الذي ينتج عنه في آخر الطريق أزمات قد تأخذ أشكالا وأنواعا وأغراضا مختلفة..والجميع في غنى عنها . ليبقى المهاجر في أخر المطاف هو الضحية الاولى والاخيرة لكل هذه السياسات والمشاريع والمخططات ليصبح بالتالي تائها بين دعوات وزراء الهجرة في الدول الأوربية على ضرورة اندماجه بل احيانا "ذوبانه" في مجتمعه الجديد، وبين دعوات سياسية أخرى من عواصم الدول الأصلية تطالبه بالمحافظة على هويته الثقافية الأصلية .
وفي الجانب الاخر بين كل الهيئات التي تدعي انها تمثله, والتي تظل فقط طوال سنوات وسنوات تنقنق بنقيقها حتى لا يدرك المهاجر فجره وينام كما ينام...الجميع . وتبقى هي وحدها صاحية...لتغتال فجره . وبين هذا الانتقال الكبير للحكومة الهولندية التي كانت تعتمد في تنفيذ خططها الهادفة إلى جعل الأجانب يندمجون في المجتمع الهولندي على جملة من المحاور القانونية والثقافية والاجتماعية وكذلك الدينية والتي اصبحت اليوم تظربها بها عرض الحائط , منها مسألة اكتساب الجنسية الهولندية ، والتي لم تكن أبدا مقرونة بمستوى اللغة بحيث لم تكن تشترط الحكومة في اكتسابها ,التمكن من اللغة الهولندية أو الحصول على عمل قار او موسمي ...كما المعمول به في بقية الدول الأوروبية منها ألمانيا مثلا والتي تضع التمكن باللغة الالمانية على اولويات شروط اكتساب الجنسية الالمانية , بينما هولندا بقيت تمنح الجنسية لكل من طلبها معتمدة على اجراءات وشروط شكلية تتركز اساسا على قضاء مدة خمس سنوات إقامة شرعية في هولندا. فمُنحت بموجب ذلك الجنسية للعاطلين ولعاملين والذين لا يجيدون اللغة الهولندية...بل وحتى "للأميين" .
إظافة الى تسهيل الجنسية كان هناك ايضا , دعم المنظمات الثقافية والاجتماعية التابعة للمهاجرين ، ودعم العديد من البرامج التي تيسّر الاندماج مثل دروس اللغة الهولندية أو دورات المواطنة للتعرف على الحياة والثقافة الهولندية للقادمين الجدد، ودعم نشاطات فنية وثقافية واجتماعية، بل وحتى دينية أحياناً. بل أنه كان قد وصل الامر الى أن الشرطة الهولندية مثلا اقترحت زياً خاصاً (حجاب) للشرطيات المسلمات العاملات لديها.
فاين كل هذا من ما نراه ونسمعه اليوم...
ما حك جلدك الا ظفرك.
هكذا يبدو جليا ان حياة المهاجرين المغاربة في هولندا لا زالت تتعقد اكثر فاكثر,لا تخلوا من مشاكل وصعوبات رغم تهليللات الحكومات والمنظمات والهيئات , وهو ما يعرقل مسيرتهم وتماسكهم احيانا من أجل أن يكون لهم دور أكبر وتأثير أوسع في الحياة السياسية والاجتماعية...من أجل تنظيم شؤونهم والتمتع بالتالي بكل ما يضمنه القانون من امتيازات باتت الحاجة اليها ملحة جدا اكثر من أي وقت آخر.. في أفق إنشاء جمعيات ومنظمات حقيقية تنظر الى الاشياء التي تهمهم في عمقها...ويتولون هم انفسهم امرها..عملا بالمثل ,ما حك جلدك الا ظفرك..
والتجارب اكدت ان سفينة "الجالية" يجب ان لا تقودها الا هي وحدها وإلا غرقت في متاهات بحارالحكومات وبأكثر من قبطان, يحاول كل واحد منهم الخروج بسفينته بامان وتبقى الجالية هي الريح الذي تشتهيه هذه السفن لتمر بسلام ...أتذكر في هذا السياق، إشكال ازدواجية الجنسية والذي كان قد أُثير بحدة قبل سنتين ، وذلك بعد إقرار الحكومة الهولندية قانونا يطالب أبناء المهاجرين بالتخلي عن جنسيات آبائهم. حيث أكد الوزيرالمكلف بالجالية المغربية في الخارج آنذاك على ضرورة أن يبذل المهاجرون المغاربة كل الجهد للحفاظ على لغتهم وثقافتهم وبالتالي جنسيتهم. ومن جهتها صرحت الحكومة الهولندية على ان ما صُدر عن وزير الهجرة المغربي يعتبر بمثابة رد على الطلب الذي تقدمت به من أجل تخلي المهاجرين المغاربة عن جنسية آبائهم. ولا زلت أتذكر ان هذه التصريحات أثارت حينذاك انتقادات كثيرة لدى بعض السياسيين الهولنديين، الذين اعتبروا أن موقف السلطات المغربية في هذا الامر يقف على طرف نقيض من المساعي الحكومية الهولندية لتسهيل دمج المغاربة الهولنديين...
وطبعا لا مجال هنا لتقييم الموقفين... فلكلٍ قناعاته ومنطلقاته واهدافه..
ولكن أتساءل فقط حول رأي وموقف "الجالية" نفسها في الامر,,هل هذه الازدواجية فعلا تشكل عائقا في الاندماج .؟وهل التخلي عن الجنسية الاولى هو فعلا إسقاط للجنسية الأصلية؟!!
اين الجالية من كل هذا, اليست كفيلة ان تقود سفينتها بنفسها...
البقية " أظلم"
وهنا مربط الفرس .هكذا يتبين بشكل جلي عدم تناسب الحلول الصادرة سواء من البلدان الاصلية اوالمحتضنة... إشارات تبرز هشاشتها ، حلول هي في الاصل تساهم باستطراد في إنتاج مشاكل أخرى أكبر من التي اعتقدت هذه الحكومات أنها وجدت لها حلولا شافية. وحلول الحكومة الهولندية بتوقيفها الدعم عن برامج الاندماج للمهاجرين، وكون من يرسب بامتحان"الاندماج" يفقد تصريح الإقامة في هولندا..هي من نفس طينة هذه الحلول والبقية" أظلم"وهي آتية لا محالة.
لحظة الحسم
على أية حال فإننا وقبل لوم الحكومات والآخرين، نقول أنها ليست لحظة عتاب ولوم وتحميل مسؤوليات، إنها لحظة توافق وتضافر جهود، من أجل مواجهة هذه الاشكالات. فقط, لِتَكُفّ الحكومات عن الإستثمارالرخيص فينا ، وأن لا تصم أذانها لصيحاتنا حين نصيح.
وليفهم الجميع منا أن أي تدخل / دعم كان او مساندة من هذه الحكومات يجب ان لا يكون أكثر من عامل مساعد، وأن العامل الحاسم يبقى هو فعل المهاجر نفسه والذي يجب أن يكون موحداً ليصل الى عمق الاشياء ويرقى بالتالي إلى مستوى الفعل القوي ...والصحيح.

محمد بوتخريط / هولندا.
butakhrit@yahoo.com



1.أرسلت من قبل la3rasi في 23/06/2011 02:08
al falsafa arja3 labladk o hannina


في نفس الركن
< >

الخميس 3 ماي 2018 - 14:39 إبليس عليها جالس

الجمعة 13 أبريل 2018 - 16:28 بعيدا عن السياسة