فلسفة الغياب وحكاية القدر


فلسفة الغياب وحكاية القدر
عن عمر صار مختلفا لا يخشى أن يعصف به الحنين مرتين ، لذا فهو يظل بلا عودة . وهو الأمر النهائي ، فلا عجب أنه .لا يؤمن بالصدف كلما سار موكب وتقدم آخر ، أو أنه يتريث متمعنا في كل مرة
لم أبدأ من حيث إنتهيت ؟ لأن لا بداية كانت . وأنا في غيابي هذا أبشر بحلول غياب جديد يعاهد هذا الزمان .. وفي أول مرة طلعت شمس الدنيا إعلان وجودي ، فوجد المعنى وصار ضربين من زمان ومكان .. فالآن ما عادت دورة التاريخ تجمعنا ، ولا نحن شعب سبحت أغواره الكلمة.
فإنه إذا شئنا نصدق كل حكاية، ونمزق خردتنا، ونحيا هكذا دون وعيد، ففي كل مرة يسبقنا الواقع ونصبح وهما ههنا في المكان.
إنا ندمر أجزاء الوعاء كلمة كلمة، ونمزق الوجدان، ثم نغزو فضاء أفكارنا فتدفعنا ذبذبات الأثير، ونحن نمضي إلى داخل هذا السراب دون عودة.
إن يكن. فإنه قد بدأ كلامه وفي محياه ارتسمت علامات، وكأن همسا آخر شاع بين أحاسيسه وأفكاره؟ ـ ليس المكان مكانا. إلا أن تمضي بعيدا، وترجع ههنا حيا! ويدركك الزمان، وتدرك بدورك سرا أنت تعنيه.
ولعل قناع هذا الوجود ما عاد حقيقيا، فأنت في غياب ما خلف المكان، وخلف صور يمتد عظيما يحجبك عن دورة الزمان.
< كما أني أعيد ترتيب غيابي هذا داخل الأحلام، وأضع قنطرة تلهمني المعجزات فأنا داخل عمقي أسافر دوما، ولعلي قريبا أعود >.
هو قدر ضاحك يجمع بين البأس والفطرة ؟ لأننا دوما نعيش رحلةعميقة، وغيابا أمينا". صاحبني هذا الشعور حين تجلى هذا المكان خواء جديدا، لأننا فرق بين الجموع، وعمر قنطرة للعبور الدائم نحو تلك الأفق التي من بعيد، وبعيد داخل عمق نفسي.
< لم أتألق في حديثي عن معنى الفراغ، لأن تلك القضية أصبحت شائعة بين معظم من صبغوا وجدانهم لأجل عفوية هذا العصر >.
وقد يسعى إلى إتمام البقية، ومنها نحن نتعلم سرد كل قضية وهمية، لأنه ما أدركنا التاريخ، ولا هو حتى أفقدنا قدرتنا للتعلم أكثر. ولا قام أحد في بحثه عن بقايا وجود مضمحل لأحدنا، بآخر خطوة ـ لا ـ ولا ألقى التحية الإيمانية، أو أدرك معنى الحقيقة. أو تسلق في جسر العبور إلى المساحة الكبيرة، وإلى فضائنا الساحر، وموطننا الغائبون جميعا !
كان بلا عودة. وفي داخله يحمل سرا مدفون به ألف جمهور ـ وكان نحن. كما أنه كان من صمم إطارها، وجعلها إلى جانب نافذته المطلة إلى الخارج، حتى ينجلي هذا السراب، ونعود نحن المعلقون هناك من أرض الغياب، وتتسع رقعتنا أكثر، وتنقشع الأضواء بصورها الخافتة، وهناك نعيش غيابا جديدا، ثم نكون بعد غياب، وننجلي كما كنا نأمل ـ إذ قبل كنا غيابا، فأصبحنا في غياهب هذا السراب، نجوب الرقعة من أقاصيها، وننسج داخل هذا الإطار الحي حيث نفتقد إلى الاشيء، حتى نملأ من فراغنا، ونعتبر هذا الكيان وحدة مجزأة.
كما أنه بات صوتا ليس كما الأصوات تدفعه الرياح بعيدا حتى آخر استجابة لروح المعنى، فلا جد أن المعنى يحمل اسم معناه المجازي، ولا كان خبرا تأول عن مصدر صريح وقد صار عنوانا بلا معنى.
فكما أنه كان بلا عودة، ظل يستقبل في كل سنة حلة جديدة ورموزا قد ترسخت عن قناعة، فبدا الأمر كأن حياة إضافية قد توسعت إلى حدود أخرى، بجانب كل هذا الوجود ؟ فبلا جدوى نحن شعب تنبثق منه الأمور الصاخبة. هو ليس يدري كم من الوقت ضاع بين سنته ولحظة تأمله الأولى، ولكنه كلما تحملته الكلمة، تضاعف جهد تفكيره في تطابق الوجود في عينيه، ففي كل عبره كان همسه أكثر حضورا، وفي كل مرة تألق.
ـ< كان الأمس أميري، وكنت لأجهل نهارا يمتد طويلا، لأنه لا شيء أمامي، وأنا بين خليط ـ أسود أبيض ـ في سرمد هناك ! في بيئته اللامكان >ـ


مصطفى عزوز