في خِضمِّ الجائحة (34): قراءة في مشروع التعليم عن بُعد.


كتب:عبد المنعم شوقي.

جميعُنا استمعنا إلى السيد وزير التربية الوطنية و التكوين المهني و التعليم العالي و البحث العلمي، و هو يشرح لنا الصياغة النهائية التي تمت برمجتها لإنهاء الموسم الدراسي الجاري. شخصيا، تتبّعت العديد من المقالات و التعاليق التي ناقشت و مازالت تناقش هذا المخطط.. و لهذا فإني أودُّ في رسالة اليوم أن أُدليَ برأيي في جزء من هذا الموضوع، و أخوضَ بدوري في هذا السجال الذي يهم بناتنا و أبناءنا.. بل إنه يهم الوطن ككل بحاضره و مستقبله.

لن أتحدث عن جدولة الامتحانات، و لن أتحدث عن معدلات النجاح.. فهي أمور تقنية لها أهلها و اختصاصيوها.. و لكني أودُّ الحديث هنا عن تجربة "التعليم عن بعد".. و هي التجربة التي ذهب العديد إلى وصفها بالفاشلة مستدلّين على زعمهم بأن الوزارة لم تُدمج كل الدروس التفاعلية في مواضيع الامتحانات الإشهادية القادمة، و أنها اكتفت بما تلقّاه التلاميذ حضوريا إلى حدود منتصف شهر مارس الماضي. شخصيا أرى عكس ذلك.. و أرى أن العملية في ميلادها الأول حققت نجاحا محمودا رغم بعض النقاط التي تحتاج إلى مزيد من الإصلاح و التجويد. فجميعنا نعلم أيها الأصدقاء أن تجربة "التعليم عن بعد" تمّ إقرارها في ظروف استثنائية عاجلة أملتها الجائحة التي ألمّت بنا دون سابق إشعار. و عليه، فإن الوزارة لم تملِك الزمن الكافي لتدبيرها بطريقة أكثر نجاعة، و لم يُسعِفها الوقت لتوفير العُدّة اللازمة و الظروف المواتية خصوصا و أنها التجربة الأولى من نوعها في تاريخ الوطن. و رغم ذلك، فقد اجتهدت الوزارة في ظرف وجيز، و طرحَت مجموعة من التدابير و الوسائط منها على سبيل المثال تخصيص قناة تلفزية لتقديم الدروس.. إطلاق مجموعة من التطبيقات و المنصات التعليمية و المجانية على أجهزة الحواسيب و الهواتف دون حاجة إلى صبيب الأنترنيت.. تسجيل آلاف الدروس الواجب تقديمها للمتعلمين عبر هذه الوسائط.. طرح مختلف الاستمارات و الوثائق للدعم و التقويم..

هذه الأمور كلها تم توفيرها في وقت وجيز مع ما يستلزم ذلك من تجنّدٍ دائم لأطر الوزارة و الأكاديميات الجهوية و المديريات الإقليمية، و معها بطبيعة الحال نساء و رجال التعليم الذين لم يدخروا جهدا في العمل على إيصال المعارف لتلاميذهم.

و شخصيا أسجل أن النقطة السوداء الوحيدة في هذه التجربة هي وجود متعلمين لا يتوفرون على الأجهزة الذكية التي تمكنهم من مواكبة المشروع خصوصا في المناطق القروية، مما أدى إلى محدودية المستفيدين و إلى خلخلة مبدإ تكافؤ الفرص.
إننا نتفق أكيدا أيها الأحبة أن التعليم عن بعد لا يمكنه إطلاقا تعويض التعليم الحضوري باعتبار أن هذا الأخير لا يرمي إلى تلقين الدروس فحسب، بل يضيف إليها جانب التربية و تكوين الشخصية في إطار جماعي و اجتماعي و تشاركي.. و لكن ظروف هذا الوباء فرضت الاستعانة بهذه المنهجية المؤقتة لتدارك ما يمكن تداركه.
و حتى لو أن أبناءنا لن يتم امتحانهم في الدروس التي تلقوها عن بعد، فيكفي أنهم استفادوا من مضامينها، و أضافوا إلى رصيدهم الذهني المزيد من المعارف و الخبرات و العلوم التي ستفيدهم حتما في مسيرتهم الدراسية و الحياتية.
إن أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة "التعليم عن بعد" هو التفكير في كيفية تجويده و جعله دائما و موازيا للتعليم الحضوري حتى نؤسس لمدرسة حديثة ترقى للأهداف التي نتوخاها جميعا. و في انتظار ذلك، نقول لكل القائمين على الشأن التربوي و التعليمي بإقليمنا و وطننا: شكرا لكم على جهودكم.. و مزيدا من التضامن يا رموز الأمل و المستقبل.


تعليق جديد
Twitter