كلمات على هامش ذكرى انتفاضة الخبز


كلمات على هامش ذكرى انتفاضة الخبز
كريـم أديـب


ونحن نقف على رأس ذكرى 27 لانتفاضة 19 ينـاير من سنـة 1984؛ هذه الذكرى التي شاءت بكل أحداثها المأساوية، الأليمة، الدامية، التقتيلية، اللاإنسانية، البشعة.. المرسومة بخط الدماء على جدار قلب كل ثوري مناضل، والمطبوعة ببصمة ذل و عار ومهانة وحقارة على جبين الجيش و المخزن المغربي، أن تدخل تاريخ البشرية من أوسع أبوابه، وأن تنضاف إلى قائمـة الإنتفاضات الشعبية التي شهدتها مختلف المناطق في العالم بقيادة عزائم الأنفس الأبية، الشجاعـة، الباسلة، الظمأى إلى الحرية والإنعتاق، والرامية إلى تحقيق المطالب المشروعة، و التي تأبى أن تظل أسيرة لسياسة التهميش و اللامبالاة والإقصاء الممارس من طرف الحكام في حق شعوبهم، تتراءى لنا تلك الصورة السوداء الداجية لذلك اليوم المظلم، الأغبر، الأشعث، الذي سمعت فيه آذان السماء لصراخ المضطهدين وأناتهم ونهلتْ فيه الأرض من دمائهم الزكية حتى ارتوت، ووقف الرصاص فيه - قبل القتل والإبادة- شاهـدا على مجزرة إنسانية قادتها آلة قمعية مخزنية ضد شعـب أعزل خرج من الصمت و الصبر وطول الإنتظار كما يخرج أي إنسان يؤمن بالحق والمشروعية والحرية إلى الشوارع للتنديد بسياسة الممطالة في توفير مناصب الشغل القارة والبطالة وارتفاع الأسعار... بدون سلاح إلا سلاح شعارات الإستنكار والشجب، لتتلقفهُ فوهات البنادق والرشاشات تعزف "سيمفيونية" الموت على مسامعهم، وليجدوا أنفسهم بعد ساعات في مقبرة جماعية تحت الأرض، حُفرت لتستقبل الجثث المكدسـة ولتُغلق بتراب النسيان والتعتيم بمنتهى البساطة واليسـر.. لتستمر الحياة بعد هذه المجزرة الإنسانية بوتيرتها العاديـة كأن شيئا لم يحـدث، تاركةً الأيدي المجرمـةُ للأرض الكتمان وللزمن النسيان !!

ذلك اليوم الذي أبوا إلا أن يسموه بــ"الخميس الأسود" ما يزال يحيى في ذاكرة كل من عاصروه وشهدوا أحداثه الأليمة الدامية، أو فقط سمعوا عنه وعاينوا مجرياته وقرأوا عنه من بعيـد، والكل في كلتا الحالتين يقف وقفـة حزن وأسف وحسـرة على أرواح الأبرياء التي زُهقت مجانا؛ لأنها بكل بساطة ارتكبت جرمـا! أجل، ارتكبت جرما حين حاولت أن تدافع عن حقوقها المشروعة و أن تخرج إلى الشوارع لتقول بصوت واحد : لا للبطالة، لا للغـلاء، لا للتهميش والإقصاء.. هذا هو جرمها الذي استحقت عليه أن تُدهس تحت عجلات المخزن الجهنمية، وكذا الأبرياء يُجرِمون وكذا يعاقَبون.



واليوم بالذات وكما باقي الأيام المنصرمة التي صادفت 19 يناير من كل سنـة، خرج المئات إلى الشوارع والأزقة رافعين لافتات عريضة ومرددين شعارات ثورية لتخليد هذه الذكـرى، واستحضار محطتها التاريخية في مسيرة أو وقفة رمزية احتجاجية، للتنديد بسياسة اللامبالاة والإهمال والإقصاء والتهميش التي مُورست وما تزال تمارس في حق الشعـب الذي أراد وما يزال يريد أن يعيش بخبز وحرية وكرامـة؛ الأقانيم الثلاثة (إن صح التعبير) التي حطمها المسؤولين الذين أبوا إلا أن يغيروها إلى : الفقر والعبودية والذل والمهانة.





قد يكون القدر نفسه يريد أن يضيف سمة مميزة إلى هذه الذكـرى، فجعل انتفاضة الشعب الجزائري وكذا انتفاضة الشعب التونسي التي كان لها صدى مدويا مسموعا في وسائل الإعلام العالمية و التي كللت بطرد الديكتاتوري الفرعوني المستبد ( هُبُـل!) والقذف به خارج أرض الوطن معية زوجته السارقة، ليتلقفهما مثل الكلبين الضالين أصحابهما الديكتاتوريين الآخرين، فجعل هذه الإنتفاضة متزامنة مع ذكرى 19 يناير 1984 لكي يقرب الإنتفاضات التي أشعِل فتليها كل شعـب أبي، متقاربة من حيث الزمن في صورة توحي بالأخوة والحميمة إن صح التعبير، فانتفاضة الشعب المصري التي سجلتها ريشة التاريخ في سجله سنة 1977 من يومي 18 و19 من شهر يناير، ليست بمنأى ( أي لإنتفاضة( عن أخواتها الأخريات.

وعمومـا تبقى هناك دومـا شرارة تأتي بعد أن يغرق الشعب في هاويات الظلمات، ليشعلها كعود ثقاب يذكّي بهـا نيرانا يعانق لهيبها السماء ليضيء لنفسه الأنوار، تلك هي شرارة الإنتفاضات التي هي الصوت المسموع الذي يخترق آذان المسؤولين التي تبقى على أمَـدِ توليهم للرئاسة والسلطة صماء، كأنْ لم يسبق لهـا أن سمعت صوتا من قبـل، لكن لازم على من ينادي أن يرفع صوته حد الصراخ ( أن ينتفض) كـي تسمعه كل الآذان سواء كانت صماء أو تتكلف الصمم، فالصوت الضعيف قـد لا يصل في بعض الأحيان إلى أذن صاحبـه !!

والثورة هي تلك المطرقة الحديدية التي تكسر تحتها الأكبال،وهي تلك الشعلة التي تُحمل في درب طويلـة مظلمة، وهـي أيضا ذلك "البوق" الضخم الذي يُخرج صوت كل مناضل إلى الساحـة ليسمعه كل النـاس، وهي كذلك حق مشروع، ومن لم يثُر أجْرم في حق نفسـه، وحريته، ومن لم يثُـر حصَـد لنفسه بنفسهِ صفـة الجبن، ومن لم يثُـر كأنه أحنى قامته طواعية وركع بإرادته حرة؛ ليركب الآخر فوق ظهرة بموافقته الصامتة !!

وعودةً إلى انتفاضة الخبز، والتي قد يطول الحديث عنهـا، باعتبارها حـدثا بارزا يستوجب التكثيف من الدراسة والتعمق والبحث والتنقيب والكتابة لحل شفرات إشكالياته العميقـة والإهتداء إلى المنعطفات التي من شأنها أن تفضي إلى أنوار الحقيقة التي لا تزال إلى حد الآن تكتنفها الضبابية والتعتيم وما تزال الأراضي التي - محتملا بل مؤكدا - تعانق أجسادا شاء الإهمال أن تظل أسيرة عناق طويل، عودة إليها، وأخيرا - في نفس الوقت - أقول : يبقى شيء واحـد يجب أن يتعلمه الكل، وهو أن كل انتفاضة هي أولا يقظة نضالية في روح انسان وضع نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الإستجابة إلى المطالب المنشودة بتحقيق الحرية والعمل والكرامة وإما الموت، وهذا الأخير أشرف من البقاء في حياة عشّشت عناكب الذل والمهانة والعبودية والإضطهاد في جنباتها !!

وتحية المجد والخلود إلى شهداء انتفاضة الخبز، وكذا إلى روح كل مناضل مات في سبيل تحقيق مبدأ يؤمن به في الحياة



1.أرسلت من قبل dahmani في 21/01/2011 01:14
كان عليك أن تسأل كبار السنة الذين عاشوا تلك المرحلة حتى تبني على صواب
على أي وقعت أنتفاضات كثيرة في المغرب /65/81/84/91
وحتى في العهر الجديد

2.أرسلت من قبل qvqui في 23/01/2011 21:53
annas alli charko f84 rijal jayl wa3r mohal ekon che jil bhalo abadan