لماذا لا يلقي الأئمة "خطبة الجمعة" باللغة الأمازيغية أو الدارجة المغربية؟


هسبريس

يقصد ملايين المغاربة المساجد لأداء صلاة الجمعة، غير أن عددا منهم لا يستوعب مضمون الخطبة لأنها تلقى باللغة العربية الفصحى التي لا يفهمها من لم يحظ بنصيب من التعليم أو من لغته الأم هي الأمازيغية.

في بعض المناطق التي يسكنها الأمازيغ، خاصة في البوادي والمدن الصغيرة، يعمد بعض خطباء المساجد إلى تقديم ملخّص للخطبة باللغة الأمازيغية قبل اعتلاء المنبر، لكن الخطبة تلقى في غالبية المساجد باللغة العربية الفصحى دون شرحها باللغة التي يفهمها الناس.

في بلدان إسلامية أخرى، تلقى خطبة الجمعة باللغات الأصلية لهذه البلدان. فما هو السند الشرعي الذي جعل فقهاء المغرب يقررون جعل خطبة الجمعة باللغة العربية الفصحى وليس الأمازيغية أو العامية التي يفهمها العامة؟

مبعث هذا السؤال هو مركزية الخطبة في صلاة الجمعة؛ ذلك أنها تقوم مقام ركعتيْ صلاة الظهر التي يؤديها المصلون في الأيام العادية، لكنّ عدم استيعاب وفهم مضمونها يطرح سؤال الجدوى من الإنصات إليها.


تؤكّد فاطمة، وهي في الخمسينات من عمرها دأبت على أداء صلاة الجمعة منذ سنوات في المدينة حيث تقيم ضواحي أكادير، وجود عائق عدم فهم مضمون خطبة الجمعة، رغم أنها تستفيد من دروس محو الأمية، بالقول: “كنفهم فيها شوية وصافي”.

ويوضح الأستاذ محمد بوبلي، عضو المجلس العلمي المحلي لتارودانت، أن الإسلام يراعي لغات الناس وأعرافهم وتقاليدهم، وهو ما يتجلى في الآية الكريمة: “وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم”، أي أن الأنبياء والرسل يُبعثون إلى الناس ويحدثونهم بلغاتهم حتى يكون هناك تواصل واستيعاب لرسالتهم.

وإذا كان الإسلام يراعي لغات الناس، فإن “اللغة العربية بالنسبة إلينا نحن المسلمين هي جزء لا يتجزأ من الدين”، يقول محمد بوبلي في حديث لهسبريس، مبرزا أن ما يؤكد مركزية العربية في الدين الإسلامي هو أنها اللغة التي نزل بها القرآن، وهي كذلك لغة رسول الإسلام.

ويضيف أن مركزية اللغة العربية في الدين الإسلامي يعكسها أيضا كون كثير من المسلمين الأعاجم تعلموها وقدموا لها خدمات في مقدمتها كتاب “الكتاب”، وهو أهم كتاب لقواعد اللغة العربية ألّفه عالم النحو سيبويه، وكان فارسيا تعلّم لغة الضاد.

هل تعني مركزية اللغة العربية في الإسلام ضرورة عدم التحدث إلا بها لتبليغ الناس أمور دينهم؟ يجيب محمد بوبلي: “حين نشرح الدين للناس عند التدريس والوعظ والإرشاد، نتحدث بأي لغة يفهمها الناس للتواصل معهم، ولكن عندما يتعلق الأمر بخطبة الجمعة، فإن أهل العلم ينقسمان إلى فريقين”.

ويزيد موضحا أن فريقا يقول إن خطبة الجمعة هي وسيلة مثل الوعظ، ومن ثم لا يُشترط أن تُلقى باللغة العربية الفصحى. أما الفريق الثاني، فيقول إن الخطبة، فضلا عن كونها وسيلة تحمل رسالة، هي غاية، أي إنها عبادة يتعبّد بها المسلمون لله، وبالتالي يختلط فيها جانب الوعظ بجانب التعبُّد.

وإذا كانت خطبة الجمعة تُلقى بغير اللغة العربية الفصحى في بلدان إسلامية أخرى، فإن المذهب المالكي الذي يهتدي به المغاربة يتشدد في هذا الجانب، كما يوضح الأستاذ بوبلي، مبرزا أن “المالكية يشددون على أن تكون الخطبة باللغة العربية خشية ألا تُقبل صلاة الجمعة؛ ذلك أن الخطبة تقوم مقام ركعتي صلاة الظهر التي يؤديها المصلون في الأيام العادية”.

ولكي يستفيد الناس من خطبة الجمعة ويفهمونها، مع الاحتفاظ بإلقائها باللغة العربية الفصحى، أوضح بوبلي أن “الحلّ المتّبع في المغرب هو أنّ الإمام يدخل إلى المسجد قبل الأذان ويقدم ملخصا للخطبة التي سيُلقيها باللغة التي يفهمها المصلون، وعندما يُرفع الأذان يعتلي المنبر ويلقي الخطبة بالعربية، أو يؤجّل تقديم ملخص للخطبة إلى ما بعد الانتهاء من الصلاة”.