ليس بالبكاء ينهض المغاربة!


ليس بالبكاء ينهض المغاربة!
اسماعيل الحلوتي


وهو على مرمى حجر من نهاية رحلته البئيسة، يعود رئيس الحكومة ابن كيران إلى التمسكن، بهدف استدرار عطف المواطنين ومحاولة استرداد شعبيته المتآكلة، معتمدا على البكاء العلني والموثق بالصورة، عل المشهد يشق له الطريق نحو هز قلوبهم ودغدغة عواطفهم، في انتظار "معركة" السابع أكتوبر 2016، وما تقتضيه من حشد وشحذ للمشاعر...

فانطلاقا مما بات يعرف عنه من دهاء وقدرة على التلون وفق الظروف والمناسبات، أبى إلا أن يذرف دموعه الخادعة، ويعلن عن استعداده للتضحية حتى الموت من أجل مواصلة مسلسل "الإصلاح" المزعوم، أثناء "هذيانه" في تظاهرة فاتح ماي، المنظمة من قبل الذراع النقابي لحزبه بالعاصمة الاقتصادية، عوض أن يزف للمغاربة ما يثلج صدورهم، ويعيد بريق البسمة الضائعة إلى شفاههم...
وجدير بالذكر، أنها ليست المرة الأولى، التي يلوذ فيها بدموعه أمام الحضور، إذ سبق له تفجيرها في تجمع شبيبة حزبه بمدينة الدشيرة، تحت ذريعة تأثره بحفاوة الاستقبال وتذكر الراحل عبد الله بها. ولأنه شديد الحرص على استغلال البث التلفزيوني المباشر لأشغال البرلمان، فقد بكى كذلك في جلسة للمساءلة الشهرية بمجلس النواب، كان أحد محاورها مخصصا لمعاناة المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، حيث اعترف بما تعيشه هذه الفئة الهشة من تهميش، وتراخي حكومته في معالجة أوضاعها.

وفضلا عن كونه غريزة طبيعية، فالبكاء من شيم النساء، باعتبار المرأة كائنا عاطفيا وأكثر تأثرا من شقيقها الرجل، لخاصيتها الأنثوية ورقة مشاعرها، وطالما وصفت الدموع الكاذبة بدموع التماسيح، عندما يهدف صاحبها أو صاحبتها إلى التضليل والتلاعب بعواطف الآخرين. وحتى إذا ما قدر لرجل البكاء، فغالبا ما يتم ذلك في حالات محدودة: إما لحزنه على فقدان شخص عزيز، أو لشطط في ممارسة السلطة أو تعرضه لظلم قريب، أو لشعوره بالعجز أمام إشكالية ما، أو لإحساسه بالندم إزاء قرار خاطئ، أو لخشية الله عند خشوعه في الصلاة... فهل يا ترى يندرج بكاء ابن كيران ضمن هذه الحالات؟
فبقدرما لا نشك في وطنيته، بقدرما تتملكنا الريبة من هذا الأسلوب الوضيع وأبعاده الانتهازية، ويحز في نفوسنا أن تحوله السياسة "اللعينة" إلى مجرد "روبوت"، مبرمج على إنجاز مهام محددة والبكاء في مناسبات خاصة. وإلا كيف يمكن تفسير جفاف عيونه حيال فواجع، تستدعي البكاء بالدم بدل الدموع؟ ويحضرني حادث انهيار ثلاث عمارات بحي بوركون بالدار البيضاء، الذي ذهب ضحيته 23 قتيلا و47 جريحا، ثم فيضانات مدن الجنوب التي أودت بحياة أكثر من 40 شخصا، عدا المفقودين والمصابين بأضرار متفاوتة الخطورة، فضلا عن نقل جثث الضحايا في شاحنات جمع القمامة... فكيف يلين قلبه لمواقف ويشتد لأخرى، علما أن الله ما جعل في جوفه قلبين؟

إن المغاربة ليسوا بحاجة إلى رئيس حكومة بكاء ومهرج، لا يستحيي من ضرب قدرتهم الشرائية، وتوزيع الشتائم على خصومه السياسيين ومخالفيه الرأي، وحصر كل انشغالاته في التملق للملك، التمسك الأعمى بمنصبه، والرغبة الملحة في تعيين "جنوده" المخلصين في مفاصل الإدارة. وإنما يحتاجون إلى رئيس قادر على استشراف آفاق المستقبل، والمساهمة في بناء دولة ديمقراطية حديثة، يسهر على تفعيل مقتضيات الدستور، إيقاف نزيف الظلم والفساد والمحسوبية في المحاكم والمستشفيات والإدارات العمومية، الاهتمام بحل مشاكلهم والارتقاء بجودة الخدمات الاجتماعية، عبر إصلاح منظومتي التعليم والصحة وليس خوصصتهما، توفير مناصب الشغل للعاطلين، السكن اللائق، العيش الكريم، العدالة الاجتماعية والحرية...

فإلى جانب استغلال حزبه لإمكانيات الدولة واستنفار أذرعه الجمعوية في حملة انتخابية مبكرة، يعول ابن كيران كثيرا على أصوات "شعبه" المطيع في إعادته إلى منصبه. لكن، يبدو أن المتضررين من خياراته الفاشلة وهم كثر، سيقولون كلمتهم عبر صناديق الاقتراع في الاستحقاقات التشريعية القادمة، ويردون له الصاع صاعين، انتقاما من مرارة الظلم والقهر التي جرعهم طيلة فترة ولايته، جراء تدبيره السيء للشأن العام، عشوائية قراراته المرتجلة وغياب المنهجية التشاركية...

ترى لماذا يبكي من منحه الدستور صلاحيات غير مسبوقة، تمكنه من ربط المسؤولية بالمحاسبة، إرساء أسس الحكامة الجيدة واعتماد النزاهة والكفاءة والشفافية في التعيينات السامية والصفقات العمومية... وكل ما يلزم اتخاذه من قرارات شجاعة وحاسمة؟ هل هو بكاء على إضاعة الفرصة الذهبية المهداة له من قبل حراك "الربيع المغربي"، أم هي حسرة على ما بلغته الأوضاع من تدهور في عهده؟ وحده الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور !

ومهما يكن، فبكاؤه ينطبق عليه المثل: "البكاء وراء الميت خسارة"، لإخلاله بوعوده، وإهداره عدة فرص لم يحسن استثمارها، كان من شأنها الحد من منسوب الاحتقان الاجتماعي القائم، نزع فتيل الخلافات مع المركزيات النقابية... مما يحتم عليه تحمل عواقب رعونته وتعنته، ومواصلة نواحه في أماكن أخرى. فخلال ولايته تضاعف معدل الفقر وعرفت البطالة ارتفاعا مهولا، وتجاوزت المديونية كل التوقعات، فضلا عن تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتنامي أشكال الفساد واقتصاد الريع، انكماش نسبة النمو إلى حوالي 1,5% بفعل الضغط الضريبي على الطبقة المتوسطة بالخصوص، وعدم القدرة على: ابتكار بدائل اقتصادية واسترجاع الأموال المنهوبة، مراجعة الأجور العليا والتعويضات الخيالية للوزراء والبرلمانيين وغيرهم، وإقرار ضريبة على الثروة في إطار التضامن الاجتماعي.