"ماني ذاش غ ثوادار" تجربة ينتشلها الإستثناء من التعميم !


"ماني ذاش غ ثوادار"   تجربة ينتشلها الإستثناء من التعميم !
محمد بوتخريط / هولندا

بعد أن كانت الاعمال التلفزية المغربية (الناطقة بالعربية) ولسنوات متفرّدة على الساحة الرمضانية، بدأت منذ سنوات قليلة بعض الاعمال التلفزية الأمازيغية تخطو خطوات متقدّمة نحوها، حتى باتت في الكثير من الاحيان تزاحمها،مستخدمة في ذلك شتى الوسائل ، ممّا أنذر في السنوات الاخيرة على تفوّقها عليها من خلال بعض الأعمال التي لاقت استحساناً واسعاً داخل الاوساط الامازيغية ولكن في شقها" السوسي" و"الاطلسي" وليس" الريفي" باعتبار ان هذا النجاح وهذه التنافسية لا تشمل منطقة الريف , وهذا في ظلّ كلام وأحاديث عن عدم إبداع في الأعمال التلفزية "الامازيغية الريفية" باسثناء تحركات خجولة في المجال المسرحي .
وإذا كانت هذه هي صورة الاعمال الريفية في السنة الماضية وما قبل قبلها ، فماذا عنها في هذا العام؟ هل لا تزال غائبة ام انها اصبحت تخطوا هي الاخرى نهج أخواتها في سوس والاطلس و مقتحمة وبقوة ميدان التلفزيون والسينما المغربية ؟

استبشرنا خيرا ونحن نستقبل رمضان هذا العام بإعلان أنطلاق أول سيتكوم ناطق بالامازيغية الريفية, خاطبني صديق معلنا ومخبرا عن موعد انطلاق " السيتكوم"... خاطبت وهاتفت واخبرت بدوري كل من اعرف عن الموعد ..
قلت في نفسي . أخيرا لنا نحن أيضا أن نتابع "سيتكوما" باللغة التي نفهمها, بعيدا عن أعمال تلفزية ظلت تخاطبنا ولسنوات بلغة لاتحقق لا الإتصال ولا التواصل,

ولكن الخبر الذي استبشرناه لم يدم طويلا ...سرعان ما تحول الى تساءل كبير مع أول "حلقة" من حلقات السيتكوم المغلقة (أحيانا) ,وفي خضم آراء واختلافات بين مؤيد ومعارض..وبين مرتاح وساخط.. بدأنا ندور داخلها .. تحاصرنا تساءلات عديدة من خلال خطاب مليء بالتناقضات, وبدورنا نحن , منا من أطلق سهامه وخناجره تجاه العمل وأصحابه , و منذ حلقاته الاولى ..ومنا من انتظر حتى تنتهي كل حلقات السيتكوم لتظهرالصورة اكثر ...
وبدوري تأخرت في الكتابة عن هذا المولود الجديد"مَانِي ذَاشْ غَ ثْوَادَّارْ" بانتظار أن تهدأ بعض ردود الفعل السلبية بالنسبة لي وكذلك بالنسبة إلى الكثير من الذين انتظرو أياما وشهورا لمشاهدة هذا العمل وباهتمام وبرغبة في الإعجاب. لكن النتيجة أحزنتني شئاً ما كما أحزنت الكثير...، وأنا الذي تجمعني علاقات صداقة وزمالة مع بعض أشخاص هذا العمل, وهم أشخاص أحببناهم وصفقنا لهم منذ أن شاهدنا لهم أولى أعمالهم ( القصيرة) والتي حازت بعضها على جوائز قيمة وفي مهرجانات كثيرة .. وهم اليوم , و من خلال هذا العمل الجديد ربما لم ترتفع أيادي كثيرة لتصفق لهم كما سبق أن فعلت..
فأين الخلل إذن ؟.
صحيح أن السيتكوم الذي شاهدناه كان فقيرا في جوانب كثيرة , معالجة السيناريو,غياب الموسيقى ,رداءة الصوت أحيانا باختصار في بعده المضموني و التقني /الفني الجمالي ...
ولم أستطع ( شخصيا) استيعاب نواحي كثيرة في القصة ومنها مثلا الناحية الأدبية , ضلت غائبة ( تقريبا) طوال حلقات السيتكوم . ثم وكذلك الأمر بالنسبة إلى بعض المشاركين والذين لم يوفقوا إلى حد ما في هذه السلسلة . وهذا كله ظاهر للعيان ويمكن لمشاهد بسيط ملاحظته ولا يستدعي ذلك إلماما ومعرفة بالمجال السينمائي أو التلفزي .
وكان لا بد أيضا من إدراك الفرق بين الفكاهة والسخرية والاستهزاء, بين العقلانيه و روح الدعابه، وبين تناول الاشياء بطريقة عاطفيه في محاولة للنيل من الطرف الاخر والاستهزاء به...وبين ان تعري الواقع الريفي المنخور وتقدمه للناس...
وربما يمكن اختزال جانب كبير من هذا "الخلل", أولا في الارتجالية التي وصلت احيانا الى حد العبثية في بعض الادوار.
ثم كذلك التسرع وعدم أخذ الوقت الكافي لصناعة عمل تلفزي أمازيغي جيد،يليق بطموحات وانتظارات أهل الريف ... فعوض التفكير(فقط) في عمل فيلم أمازيغي , كان ينبغي أخذ الوقت الكافي لذلك ,لعكس الواقع الامازيغي الريفي كما هو دون التعرض لبعض الكليشيهات الأخرى والتي قد تفسد الصورة الحقيقية لأعمال تلفزية أمازيغية ريفية نريد أن نؤسس لها ..

وكيفما كان الامر, علينا ونحن نستحظر كل هذه السلبيات وحتى نكون منصفين ولا نحمل الامور اكثر مما تحتمل... ونعطى لكل ذى حق حقه ,علينا أيظا ان نستحظر الخطوات التي مر بها العمل و الظروف المحيطة به ,
ربما الإمكانيات الضعيفة التي اشتغل بها فريق العمل لم توفر للعمل كل النجاح المطلوب ، وربما عدم جاهزية بعض الممثلين المبتدئين ..حيث نلاحض عبثية كاملة في اداء بعض الادوار...وتصنُّع في أخرى..الشيء الذي يحيلنا الى طرح تساؤلات كثيرة حول أماكن التكوين في هذا المجال من مدارس و معاهد للسينما والمسرح و جميع الفنون, والغائبة كليا في المدينة. كما تحيلنا نفس المعطيات إلى اعتراف صريح بان هذه الكفاءات من ممتهني ومحترفي التمثيل في الريف صنعوا أنفسهم بأنفسهم ، معتمدين في ذلك على إمكانيات ذاتية...بحتة ..وهذا في حد ذاته كفيل لتشجيعهم ومساندتهم والوقوف بجانبهم.

ورغم كل هذه الإكراهات المادية منها و المعنوية، فقد نجحوا إلى حد ما في إخراج عمل أمازيغي ريفي إلى النور, بغض النظر عن مستواه التقني والفني .. فالسلسلة حققت نجاحات أخرى وفي مجالات قد لا تبدو اليوم واضحة ولكن التاريخ سيذكرها وسيتذكرها وسيذكرنا بها يوما ما .. وأنا هنا لست مدافعا عن العمل/السيتكوم لان لي تحفظات كثيره عليه ولكن وكما سبقت الاشارة, لنكون منصفين ونعطى لكل ذى حق حقه... فليس هناك جمال كامل دائم ولاعلقم كامل ودائم فللفرجة مذاق يجمع الاثنين معا.
وإن تحدثت أعلاه عن الامكانيات فلا يعني هذا بالظرورة أنها وحدها كفيلة أن تُخرج عملا سينمائيا كاملا وفي المستوى المطلوب بل وجب توفر روح الحب والتضحية والانتماء,وهذا لايختلف إثنان على انه الرأسمال الوحيد الذي يملكه فريق عمل: "ماني ذاش غ ثوادار" وبالتالي لا يمكن فقط التعويل على الوسائل المادية كي تعكس ثقافة كان يتم نقلها طيلة سبعة آلاف عام عبر التواصل الشفاهي، و بهذا الأسلوب تم الحفاظ عليها، وهي كذلك في اللاشعور العام لأهل الريف.
والجميل في هذا العمل أيضا وربما لغرابة الامور كذلك ,أنه رغم هذا المستوى الذي ظهر به ورغم كل القيل والقال الذي عرفه هذا العمل فهو يحمل نوع من الكوميديا والمعروضة بطريقة فريدة و فيه تشويق أبقى الكثير منا مشدودين إلى بعض حلقات السلسلة حتى النهاية..
ثم أن اختيار المكان كمسرح للاحداث واللغة الامازيعة كلغة حوار يُحسب للعمل و هو يعكس بذلك ثقافة المنطقة ببعدها الجغرافي و اللغوي. كما أن تعامل السيتكوم مع ما يعيشه الإنسان الريفي و بشكل حقيقي، وعكسه بالتالي صورة عن الواقع المعاش كما هو وعلى طبيعته بدون مجاملة أو تجميل أو وضع رتوش هنا وهناك ، فهذا إنما يدعو إلى التقدير والاحترام وإلى الفخر،ثم ان اتجاه السلسلة الاجتماعي الهادف من خلال طرح القضايا الاجتماعية و بأسلوب (رغم اختلاف الكثير حوله) يبقى أنه لا يخلو من مسحة سينمائية ريفية خاصة،.

وللامانة أيضا وبشكل عام ، أقول انه لم تصل جميع المسلسلات المعروضة خلال رمضان هذا العام إلى المستوى المنتظر والمتوقّع منها ، فجلها إن لم نقل كلها كانت تتأرجح بين الضعيفة ...والمتوسطة.!!
وسيتكوم ("ماني ذاش غ ثوادار" ) لم يخرج هو أيضا عن هذا المستوى ..ولكن بفرق بسيط فالأمر هنا في نظري لا يعدو أكثرمن تجربة في طورالتبلور وتحتاج الى تشجيع الكل ،لايجاد أدوات التعبير الصحيح سواء التلفزي منه أو السينمائي ، لتخرجه من دائرة التوثيق البصري" الساذج" (أحيانا) لمنظومة من العادات والتقاليد والخصوصيات الريفية (كما حاول مخرج السيتكوم تصورها وتصويرها وبالتالي تجسيدها عبر حلقاته ) إلى عالم الجماليات السينمائية الحقيقية ..

وإذا كان التسرع قد أخرج هذا السيتكوم إلى ما وصل إليه .. فعلينا إذن ان لا نسلك نفس الطريق لنصدر أحكاما جاهزة على عمل يبقى أن أصحابه على الاقل قد حاولوا صناعة شئ !
وكلنا يعلم أن الاعمال الأمازيغية في هذا المجال, في حاجة إلى إمكانيات أخرى كبيرة كي تتمكن من أخذ مكانتها ضمن الصورة الابداعية العامة،!
ونقدنا للاشياء يجب أن يرقى بمستوانا وبالعمل الذي ننقده الى الامام , فلا أحد فوق النقد، فكل شئ مفتوح للحوار والنقاش ولكن , الهادئ منه والعميق والذي يحترم جميع الأطراف ،
ثم أن العمل في حد ذاته لا يوحي إلى إدانة أحد أو الترويج لظاهرة من الظواهر ... ولا فيه خدش للذوق العام, وإن كان ضعيفا في مستواه ولم يرقى إلى تطلعات شريحة كبيرة من المجتمع الريفي ,فهذا لا يمنع اصحابه من الحلم وتسول موقع داخل المشهد التلفزي المغربي ، كما أن للجميع أيضا الحق في الرأي , فقط نتمنى أن نسمع رأيا موضوعيا أو بالتي هي أحسن... لكن أن تمتلئ بعض المواقع الاليكترونية لبعض الجهات بالشتائم والاستفزازات فأعتقد أن هذا ليس من أدب النقد و الحوار وهو بالتالي لا يؤدي إلى أية نتيجة... ثم أن الكثير منا انبهر بعنوان السيتكوم بل انه ذهب إلى حد الحكم على العمل من خلال عنوانه ، ناسين او متناسين أن الاسم الذي اختاره صانعو السيتكوم لا يعني بالضرورة أننا أمام عمل يعكس الاسم على المسمى,

تبقى الإشارة أخيرا أن الاعمال الأمازيغية الريفية سواء منها التلفزية او السينمائية أومجالات أخرى فهي قبل ان تكون في حاجة إلى إمكانات كبيرة كي تتمكن من أخذ مكانتها ضمن الصورة الابداعية العامة فهي في حاجة أيضا إلى دعمنا لها ,جميعا دون استثناء أحد, من عامة الناس إلى سياسيين واعلاميين وسينمائيين وكتاب واكاديميين ومعرفيين وتربويين بمختلف مواقفهم ومواقعهم والذين يتراخون أحيانا عن تفعيل واجبهم ومسؤولياتهم..

نتمنى أن يكون هذا العمل باكورة أعمال قادمة تخدم الانتاجات الريفية بجميع أغراضها ... و أن لا يعيق طريق الفريق الملاحظات والانتقادات الموَجَّهة من المشاهدين فالعمل يبقى دائما جهدا بشريا والكمال لله وحده.
وأملنا أن تكون "مَانِي ذَاشْ غَ ثْوَادَّارْ" بداية جديدة لصناعة "تلفزية" أمازيغية ريفية نظيفة نريد أن نؤسس لها .

آخر السطر:
لا جمال كامل ولاعلقم كامل فللفرجة مذاق يجمع الاثنين معا.

محمد بوتخريط / هولندا
butakhrit@yahoo.com





في نفس الركن
< >

الجمعة 13 أبريل 2018 - 16:28 بعيدا عن السياسة