مثيـــر...صناعة الموت في معبر باب سبتة


مثيـــر...صناعة الموت في معبر باب سبتة
 

ضحيتان سقطتا في معبر باب سبتة الحدودي شمال البلاد، في أقل من شهر، بسبب حوادث تدافع الآلاف من العاملين في التهريب. وما يبدو كحوادث عرضية غير قابلة للتحكم فيها، كتدافع آلاف من الناس، هو في حقيقة الأمر النتيجة الحتمية لكثير من العوامل والإجراءات المتخذة لتنظيم تدفق العابرين في باب سبتة.

خرجت الباتول الهيشو من منزلها في حي كنديسا السفلى بمدينة الفنيدق في ساعة مبكرة من صباح يوم الاثنين الماضي، وركبت سيارة أجرة بمعية عاملين آخرين في التهريب، وتوجهت إلى معبر باب سبتة. كان هذا الاثنين أول يوم عمل للحمالين الذين يكافحون للحصول على ما تيسر من مال في منطقة تفتقر إلى فرص شغل حقيقية. وبما أن فرص الولوج إلى منطقة تحميل السلع على الجانب الآخر من الحدود تزداد كلما حل المرء مبكرا هناك، كانت الباتول تأخذ مكانها عند الساعة الخامسة صباحا في مقدمة طابور الحمالين عند مدخل ممر «تاراخال2»، الذي صممته السلطات المغربية لتأمين عبور العاملين في التهريب. وكان عليها أن تنتظر حوالي ساعتين حتى موعد فتح الممر.انتظرت الباتول فعلا ولكنها في نهاية المطاف لم تعبر إلى الجهة الآخرى بل انتقلت إلى رحاب الموت.

 

“حدث ما أصبح معتادا في ذلك الممر”، يقول شاهد عيان اسمه زكرياء، فقد “شرع الواقفون في آخر الطابور بمجرد أن حانت الساعة المحددة ، في دفع الموجودين في أوله، وكان غالبيتهم من النساء، فحطم التدافع الحواجز الحديدية في مدخل الممر، فسقطت النساء اللواتي في المقدمة، وداسهن الآخرون”. كانت الباتول إحدى النساء اللواتي سقطن هناك، لكنها لم تنهض أبدا.

 

تصميم الموت

أصبح مدخل ممر «تارخال 2»، الذي تحرسه فرقة صغيرة من القوات المساعدة بمعية عدد محدود من أفراد الشرطة، فخا للموت في الساعات المبكرة من كل يوم عمل. كان ‘‘هشام.ب’’، وهو شاب في الـ29 من عمره، موجودا في ذلك الصباح في عين المكان، يحاول بدوره أن يقتنص فرصة لولوج هذا المعبر. «كنا حوالي 300 شخص في ذلك المكان أكثريتنا من النساء، وكلما اقترب موعد فتح الممر، ازداد الحشد. كنت هناك وقد رأيت النساء اللائي كن في مقدمة الطابور، كن يصرخن بسبب التدافع بينهن، لكنه كان تدافعا بسيطا، وبعدها حدثت الكارثة عندما فتحت القوات المساعدة مدخل الممر».

ويقع الجانب المغربي من معبر «تارخال 2» فوق تل محاذ لمدرسة ومستوصف، وهو يبعد عن المدخل الرئيس لمعبر باب سبتة بحوالي 300 متر. في هذا المكان المخبأ وراء تل أكبر، أقامت السلطات ممرها المخصص للحمالين على منحدر زلق، على جوانبه حواف خطيرة. وفي الواقع، فإن هذا الممر ليس جديدا، فقد كان موجودا منذ وقت طويل فوق ذلك التل، لكنه لم يكن مخصصا في أي وقت لولوج العابرين إلى سبتة، بل كان مصمما لخروج الحمالين، ثم أغلق لاحقا بعدما قررت السلطات الإسبانية تشييد ممر جديد لمغادرة المهربين. يسمي العاملون هناك ذلك الممر «النفق» أو «Tunnel». وبالرغم من أن تصميمه لا يبدو كنفق، فإن انحداراته ومنعرجاته، التي لم تُخفّف بأي شكل من الأشكال من لدن السلطات المغربية، أوحت للمهربين بتسميته بالنفق، لأن الناس كانوا يشعرون داخله وكأنهم «تحت الأرض»، و«في عزلة» عن العالم الخارجي.

لم تستثمر السلطات المغربية كثيرا في إعادة تشييد هذا الممر، رفعت فقط جدرانه قليلا لكي لا يسقط الحمالون من فوقها، ووضعت بعض الأدراج الإسمنتية لتخفيف حدة بعض المنحدرات، لكن هذه الأدراج نفسها تحولت إلى مشكلة خطيرة أيضا، وتسببت في سقوط الكثير من الحمالين والحمالات بالخصوص، وأصيبت كثير منهن بكسور مختلفة.

وقد كنا هناك في تلك الفترة التي كانت تعاد فيها تهيئة الممر، ولاحظنا أن ذلك الممر الممتد على ذلك التل لا يتضمن أي أبواب جانبية يمكن أن تُستعمل كمنافذ للإغاثة في حال حدوث مكروه، وقد سألنا مسؤولا في السلطات المحلية بالمضيق عن سبب عدم فعل ذلك، وأجابنا بأن «تلك الأبواب إن وضعت على جوانب الممر، فإن المهربين سيستغلونها لأغراض أخرى». وبالطبع، فإن مثل تلك الأبواب الجانبية كان من شأنها أن تنقذ حياة الكثير من ضحايا حوادث التدافع في الممر، وقد أخبرنا شاهد عيان على حادث الباتول بأن الناس لم يجدوا طريقة لإنقاذها، لأن الكيفية العملية لفعل ذلك كانت هي سحبها من داخل الممر، لكن القوات المساعدة، كما قال، «منعت تقدم الناس في تلك اللحظة كي لا تصبح الكارثة أسوأ، وشرعت في طرد أولئك الذين كانوا في المقدمة كي تصل إلى الضحية، وطيلة تلك العملية، كان جسد الباتول يُدهس أكثر فأكثر تحت أقدام الفارين».

كان تخطيط السلطات المغربية لكيفية تأمين عبور الحمالين إلى سبتة غير مكلف ماديا، فقد كانت الفكرة هي إدماج نقطة الولوج من الجانب المغربي مع نقطة الوصول على الجانب الإسباني عن طريق استغلال الممر الموجود سلفا. وعلى الطرف الآخر، كان الإسبان قد أعادوا تهيئة المسافة المطلوبة لتأمين ولوج الحمالين بكيفية مختلفة، ولكنهم احتفظوا بمقاطع تتضمن ممرات ضيقة مسيجة بقضبان حديدية تدفع بالحمالين إلى الازدحام في نقطة المغادرة، وقد وقعت حوادث تدافع كثيرة هناك، لكنها حتى الآن لم تسفر عن سقوط ضحايا. ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في طريقة تهيئة ممر «تاراخال2» فحسب بل وأيضا في حجم الأثر النفسي لإجراءات أخرى على العاملين.

 

جوازات تهريب

كانت لقرار تغيير ممر ولوج الحمالين إلى باب سبتة دوافع عدة، لكن أبرزها كان هو الحد من الأعداد المتزايدة من العاملين في التهريب، ثم تأمين المعبر الرئيس على الحدود من «الهجمات الجماعية» التي كان ينفذها الحمالون بشكل يومي تقريبا. وبالرغم من أن الموقف الرسمي للسلطات المغربية هو ألا تحد من حرية حركة أي مغربي في ولوج سبتة باعتبارها مدينة محتلة، فإن الإسبان خططوا لفعل ذلك، كما كانوا يفعلون دوما بطرق مختلفة. في مقابلة أجراها بعض الحمالين مع عامل عمالة المضيق الفنيدق، يوم الاثنين الماضي، عندما كانوا في طريقهم إلى مقر العمالة للاحتجاج على ظروف الولوج إلى سبتة، قدم الكثير من هؤلاء شكاوى من تصرفات السلطات الإسبانية إزاءهم: «إنهم يمزقون جوازات سفرنا، أو يضعون عليها علامات سوداء لمنعنا من ولوج سبتة مرة أخرى»، كما قالت إحداهن.

وبالفعل تعرض الكثير من العابرين لمثل هذه المعاملة، لكن السلطات المغربية لم تجد حلا، وتكتفي غالبا بأن تطلب من المتضررين تقديم طلب لتجديد جواز السفر. ومع ذلك، لم تكن مثل هذه الإجراءات كافية لأنها لم تكن تشمل سوى عدد محدود للغاية من الحمالين، وفي الغالب، كان المستهدفون أشخاصا تشتبه السلطات الإسبانية في أنهم كانوا يخالفون القانون، أو لم يخضعوا لأوامر تلقوها بالابتعاد عن المعبر على سبيل المثال.

ولأن الإسبان ضاقوا ذرعا بالعدد المتزايد من الحمالين، فقد كانت الوسيلة الفعالة للحد من التدفقات البشرية غير المتحكم فيها، بسبب عدم تناسب أعدادها مع عدد قوات الشرطة الموجودة لتأمين المعبر، هو أن تلجأ إلى طريقة تنظيمية جديدة: لن يدخل عبر ممر «تاراخال2» سوى 4 آلاف حمال فقط. وتسلم لكل حمال بطاقة عبور، وعندما ينتهي توزيع البطاقات تتوقف عملية الولوج. وهذا العدد، وإن كان يبدو كبيرا، فإنه في الواقع لا يشكل سوى نصف عدد العاملين في التهريب. «في مثل هذه المعادلة، كانت فرصة ولوج أي عامل في نقل السلع قد تقلصت إلى النصف، وبات عليه أن يبذل جهدا أكبر للحصول على فرصة الدخول»، كما يقول عبد العظيم بنبلال، وهو ناشط مدني تابع ملف الممر الجديد منذ بدايته. ولم يعد على الحمالين بذل جهد أكبر فقط، بل عليهم أن يغامروا بأنفسهم أيضا. «أصبح الوصول إلى مدخل الممر في ساعة مبكرة، والوقوف في مقدمة الطابور المؤشر الرئيس على إمكانية حصول الحمالين على فرصة لنقل السلع أم لا.. إن لم تأت في ساعة الفجر، وتقف في ذلك الجو البارد وسط ذلك الخلاء حتى يحين موعد فتح الممر، فإنك غالبا لن تحصل على أي شيء»، كما يضيف المتحدث نفسه.

أكثر من هذا فقد عانى تطبيق عملية توزيع تلك البطائق من سوء التنسيق الضروري بين سلطتي البلدين، وكما يقول بلال دواس رايس، وهو ناشط محلي هناك، فإن السلطات المغربية لا تسمح حتى لهؤلاء الـ4 آلاف شخص بالولوج، وكمعدل عام، فإن الحمالين الذين يتمكنون من عبور الممر يتراوح ما بين 800 و1300 شخص في اليوم فقط”. زد على ذلك، أن السلطات الإسبانية تتصرف وفقا لمنطق مختلف، فهي إن رأت أن مصلحة الجمارك على الجانب المغربي متشددة في السماح بعبور السلع، فإنها تحد أيضا من عدد العابرين “إنها لا تريد حمالين بدون عمل فوق أراضيها”، كما يقول دواس رايس، ولذلك يضيف: “يرزح الحمالون تحت ضغط كبير كي يكونوا ضمن المحظوظين القلائل لنقل سلعة”.

 

من يؤدي الثمن؟

في مدخل الممر، يحتشد المئات من الحمالين رجالا ونساء، وهم يتأهبون للاندفاع مرة واحدة إلى داخل الممر عندما تقف عقارب الساعة على السادسة والنصف. ويمكنك أن تسمع صراخ النساء على بعد 200 متر من خلف التل. ومهما كان عدد الحمالين الموجودين هناك، فإن القوات المساعدة لا تستطيع منع أي أحد من الولوج.

لكن، لماذا لم تلجأ السلطات المغربية إلى طريقة لتحديد عدد الحمالين الذين سيتدفقون إلى ممر «تاراخال»، كما فعلت السلطات الإسبانية؟ حسب عاملين في التهريب، فقد شرعت السلطات المغربية في عملية واسعة لتحديد أعداد العابرين، لكنها لم تنتقل إلى مرحلة التنفيذ. «أحصت السلطات المحلية جميع الحمالين تقريبا، فقد خصصت مكتبا لاستقبالهم، وسجلت أسماءهم في دفاتر.. كانوا يقولون لنا إن المسجلين سيحصلون على بطاقة تسمح لهم بولوج الممر بشكل سلس، لكن، بعض شهور من فعل ذلك، لم نتسلم أي بطاقة»، كما يقول سفيان.ش، وهو من المسجلين.

 

وإذا كانت البطاقات التي فرضها الإسبان تستوجب أن يفعل الحمالون المغاربة كل ما في استطاعتهم لكي يكونوا في مقدمة طابور المنتظرين في البرد القارس صباحا، فإن شبكات التهريب لم تتضرر بشكل كبير بسبب الإجراءات التنظيمية الجديدة. لكن الفوضى، على كل حال، ليست في مصلحتها. فعندما يحدث أن يقع تدافع مميت فإن أعمالها تتضرر بشكل مؤكد. فبعد مقتل الباتول قررت السلطات المغربية، بتنسيق مع الإسبان، إغلاق الممر أسبوعا كاملا. وبالنسبة إلى شبكات التهريب، فإن أسبوعا من التوقف عن العمل معناه ضياع أرباح كثيرة، أما بالنسبة إلى الحمالين، فإن مثل هذه الفترات من التوقف تتحول إلى كابوس.

حاولت شبكات التهريب، مرارا، مقاومة إجراءات تنظيم الولوج عبر ممر «تاراخال2»، ودفعت بالمئات من الحمالين إلى العصيان، وعدم ولوج المعبر لإجبار الإسبان على التخلي عن توزيع بطاقات المرور، لكنها فشلت في لي عنق جيران الشمال.

وفي الحقيقة، فهذه الشبكات كانت تحاول الإفلات من مزيد من الضغوط، إذ كانت تتعرض، وفق  ما يحكي الكثير من العاملين هناك، لضربات كثيرة. فقد أوقفت السلطات المغربية عددا من أفرادها، وقدمتهم إلى المحكمة، وأدينوا بشهرين حبسا نافذا، كما أن مصالح الجمارك تميل في بعض المرات إلى تشديد مراقبة السلع، وبهذه الطريقة، يصير كل ذلك العناء الذي يتجشمه الحمالون لولوج الممر بدون جدوى. «هذه مأساة حقيقية»، يقول بنبلال، ويضيف: «في ممر ‘‘تاراخال2’’ تجمعت كافة العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث الكارثة: لدينا ممر غير مهيأ لاستيعاب العدد الكبير من الحمالين، وحراسة ضعيفة لمدخله، وبطاقات تمثل جوازات تهريب جديدة، وسلوك متهور للعاملين. في مثل هذه الظروف، يصبح الممر قاتلا كل يوم». وبالفعل، فإن حوادث التدافع تقع يوميا، وتصل سيارات الإسعاف باستمرار إلى أعلى ذلك التل لنقل مصابين جدد. «لدينا كل يوم خمسة جرحى بسبب مثل هذه الحوادث»، كما قال لنا مصدر في السلطات المحلية.

ورغم أن الوضع بلغ من السوء ما بلغ، فلا أثر لأدنى مؤشر على اقتراب حل ما . لا شبكات التهريب ولا الحمالون ولا السلطات المغربية يملكون صورة واضحة عما يجب فعله. فقد أغلقت السلطات الممر حتى تبحث عن الحل المناسب. العدد القليل من الحمالين، الذين التقوا عامل الإقليم يوم الاثنين الماضي، لم يعرضوا أي حلول جوهرية لمشكلة «تاراخال2»، واكتفوا بالمطالبة ببعض التعديلات الجزئية على تنظيم ولوج الحمالين، مثل تنظيم صفوف العابرين حسب الجنس، النساء يمينا، والرجال شمالا، أو سحب المتاريس الحديدية التي تسد بها القوات المساعدة مدخل الممر، أو تغيير بعض أفراد القوات العمومية الذين يتهمهم الحمالون بالتلاعب في طريقة الولوج. وكما قال لنا عامل هناك، فإن «بعض هذه التعديلات قد تنقذ بعض الأرواح في حوادث التدافع، لأن الذين ماتوا هناك لقوا حتفهم بعدما سقطوا فوق تلك المتاريس الحديدية.. وسيكون من المستحسن وضع سيارة للإسعاف في عين المكان أيضا طول مدة العمل في الممر».

يشعر الحمالون بالمرارة دائما، فهم عالقون بالفعل في ذلك الممر. وبين شكوكهم من أن تغلق السلطات ممرات التهريب فتسد عليهم وسيلتهم الوحيدة للحصول على بعض المال، وبين مخاوفهم من أن يهلكوا هناك صباح يوم ما في حادث تدافع، لم يبق لهم سوى أمل هش جدا في أن تعمل السلطات على أن توفر لهم شروطا تضمن لهم الحد الادنى من الإنسانية. مصدر في السلطات المحلية قال لنا في عبارة موحية: «إن الإسبان فرضوا تصورهم وشروطهم، وهم يقومون بكل ما يتوجب كي لا تسقط ضحية على جانبهم من الحدود، ويبدو أننا نحن من نؤدي ثمن ذلك». والباتول نموذج تراجيدي لهذا الثمن الفادح.