ملف حرب الرّيف والغازات السّامة


ملف حرب الرّيف والغازات السّامة
هيثم شملال
http://www.facebook.com/assiwan006

أثناء الإستعمار الإسباني لمنطقة الريف وفي خضم الهزائم المتتالية التي تجرعها العدو وجحافل جيوشه في كل من معركة أنوال و ظهار أوبران ومعارك الناظور وغيرها من قبل المقاومة الريفية الباسلة التي تزعمها القائد البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي ، قررت حكومة مدريد آنذاك أن تقتلع جذور هاته المقاومة بكل الوسائل المتاحة حتى الغير المشروعة منها.
ففي صيف عام 1925 أمطرت الطائرات الحربية الإسبانية مناطق الريف بوابل من الغازات السّامة والقنابل الكيماوية المحظورة (إسبانيا كانت من الموقعين على بروتوكول معاهدة جنيف يونيو 1925والتي تحظر استخدام الأسلحة الكيماوية) ، مُؤرخة بذلك أول حربٍ كيماوية شُنّت عبر الجو ودامت زهاء ثلاث سنوات (هنالك أيضا أدلّة تشير بأصابع الإتهام إلى فرنسا وبريطانيا و ألمانيا بضلوعهم في الحرب القذرة ضد الرّيف) ،حيث استشهد أكثر من 3000 شخص معظمهم من المدنيين كما أصيب الآلاف من المواطنين بالعمى واحتراق الجلد ثمّ اسوداده علاوة على تفشي الأمراض المزمنة كداء السرطان الذي ما زال إلى وقتنا الحاضرمستشريا بالمنطقة جرّاء مخلفات ذلك التلويث الكيميائي ، إذ تشيرالإحصاءات إلى أن حوالي 70 في المائة من إصابات هذا الورم الفتاك في المغرب تسجل عند الريفيين ، ناهيك عن الكوارث البيئية والإجتماعية والإقتصادية التي خلّفتها الحرب والتي صُنّفت من قبل الباحثين كحرب إبادة جماعية

حاليا، وخلال الأشهر القليلة الماضية تواترت بعض الأنباء التي تتحدث عن عزم الجارة الشمالية تقديم الإعتذار للمغرب عن جرائمها التي اقترفتها إبّان الحقبة المسماة (بحرب الريف) وتكفّلها بتعويض أسر الضّحايا وأحفادهم بحزمة من المبالغ المالية ، لكنّه وللأسف الشديد ما لبثنا نسمع جعجعة ولا نرى طحنا ودليلنا على هذا القول ما أكّدته بعض المصادرالإسبانية التي شككت بمصداقية المبادرة أبرزهم المؤرخة <ماريا روسا دي مادارياغا> التي وصفتها (بالأكذوبة الكبرى) .
الحقيقة الثابتة التي لا جدال فيها أن لإسبانيا مسؤوليات أخلاقية وتاريخة اتّجاه الرّيفيّين ، وهي حقوق ومطالب أقرّتها جميع القوانين والمواثيق الدّولية للشّعوب المُستعمَرة سابقا ، والتاريخ المعاصر يعج بأحداث و وقائع مماثلة قد نستأنس بذكرها ، فألمانيا مثلا التزمت بالإعتذارلدولة الكيان الإسرائيلي وتقديم تعويضات مالية ضخمة قدّرت بمئات المليارات من الدّولارات لأهالي الضحّايا إثر مذابح الهولوكوست التي ارتكبها النّازيون الألمان ضد اليهود، كما قدّمت اليابان اعتذارا رسميا عن جرائمها المُروّعة ضد الشعب الصيني بعد احتلاله ، علاوة على قبول إيطاليا مبدأ تعويض مستعمرتها السّابقة ليببيا ب 5مليارات دولار ، بل إنّ إسبانيا نفسها طالبت الولايات المتحدة الأمريكية بالإعتذار وتعويض مواطنيها المتضرّرين جرّاء سقوط قنابل هيدروجينية أمريكية على المزارع والشواطئ الإسبانية المعروفة بحادثة (بالوماريس) ، ومنه فنحن أصحاب حقوق مشروعة نطالب بها المجتمع الدولي من موقع قوة لا موقع هوان واستجداء

طبعاً ، ما يُحيّرنا ونستغربه هو الصّمت المُريب الذي تُمارسه الدّولة المغربية ودبلوماسيتها العرجاء إزاء هذا الملف التّاريخي ، وذلك بعدم المُطالبة به في المُؤتمرات والمحافل الدّولية وهذا من أضعف الإيمان ، وقد يُجادلنا البعض بوجود مصالح مشتركة وقضايا عالقة تحضر فيها إسبانيا بقوة وبصفة دائمة كقضية الصحراء المغربية ، وإشكالية الهجرة السرية ، ومدينتي سبتة ومليلية وغيرها؛ وهو ما نجد لزاما علينا أن نستنكره ونرفضه لكون هذا الملف الشائك الذي هو عنوان مقالنا يقتضي أن يعتلي سقف القضايا الوطنية ويُطرح على الطّاولة في واضحة النّهار، لا أن يُستخرج من الرّفوف كورقة ابتزاز وضغط للجارة الإسبانية كما عاينّاه خلال السّنوات الأخيرة ، راشّين بذلك المزيد من الملح على الجُرح الرّيفي النّازف إلى حدّ السّاعة.
لا غُبار على أنّ هذه العُجالة لا تعالج الموضوع بشتى جوانبه ، والأحرى أنّ الحقائق والوثائق والكتب التي طفت على السطح والمُتعلّقة بملف (حرب الرّيف) ما هي سوى قطعة الجليد التي تُخفي الجبل ، فالأرشيفات السّرية المخبأة لدى الإستخبارات العالمية لا تزال قابعة في الدهاليز المُظلمة، ومن جهة أخرى فالعالم لن يلتفت إلى هاته القضية المصيرية للريفيين إذا لم تتوفّرالمُبادرة الجادّة من الحكومة المغربية لتبني تقديم ملف مطلبي واضح وموثّق بالأدلة والبراهين الحسية إلى الأمم المُتّحدة والمُؤسسات الدّولية المعنية ، وبالتالي خوض غمار لعبة الضغوط السياسية كدولة وكمجتمع مدني لا سيما المجتمع الرّيفي