مليلية...مدينة تتسع نهارا و تضيق ليلا


مليلية...مدينة تتسع نهارا و تضيق ليلا
خالد بنحمان


سؤال لطالما وجهته لبعض من ساكنة مليلية المحتلة يمثلون فئات إجتماعية مختلفة بخصوص الوصف الدقيق لوضع هذه المدينة فكانت إجاباتهم متقاربة إلى حد بعيد وتقاسمت تشبيه سجن كبير تتوفر فيه كل شروط الحياة، سجن يعم فيه النشاط و الحيوية لساعات يوهم الإنسان أنه حر طليق ثم لا يلبث أن يحل الليل ليجد نفسه مشلول الحركة وسط مدينة إسمنتية محكمة الإغلاق في كل الإتجاهات.

يحمل وصف السجن الكبير دلالات و تفسيرات بين طياتها إحساس بمركب نقص يراود قاطني مدينة ظلت تحتفظ عبر التاريخ بوضع خاص و حظيت باهتمام دول تعاقبت على حكمها و حرصت على أن تكون قاعدة متقدمة لتنفيذ أجندتها في بسط نفوذها على شمال المغرب، لحظة العبور عبر بواباتها المعدودة جدا يوحي أكثر لدى زائرها لأول مرة أنه بصدد دخول فضاء مسيج وسط إجراءات أمنية متجذرة تزيد من مستوى الإحساس أن الأمر يتعلق بمنطقة يسري فيها قانون طوارئ بالنظر للإنزال المكثف لمختلف الأجهزة و العتاد ووسائل المراقبة و التكنولوجيا الحديثة لضبط كل التفاصيل و دقائق الحركة على مدار ساعات النهار والليل.

بالرغم من كل جهود السلطات الإسبانية للتغطية على مكامن النقص النفسية عبر تدابير و إجراءات ذات طابع إقتصادي و إجتماعي بغية توفير منشئات القرب و الترفيه و الفضاءات الخضراء فإن ما تحقق لحد الساعة لا يشكل جوابا شافيا على سؤال الحرية في التنقل و ممارسة الحياة اليومية بشكل طبيعي، واقع يمكن الوقوف عليه من خلال جولة لا تتعدى النصف ساعة عبر سيارة ليجد الإنسان نفسه قد بلغ أطرافها سواء تلك المسيجة بشتى أصناف الأسلاك أو في واجهتها البحرية الممتدة لبعض مئات الأمتار.

لايمكن لأحد أن ينكر كون المدينة عرفت تحولا عمرانيا كبيرا غير من ملامحها على مستوى العديد من المناطق و الأحياء كما شهدت طيلة العشرين سنة الأخيرة أشغال كبرى و أوراش متواصلة همت تجديد المرافق و المنشئات العامة و بنيات الإستقبال و الخدمات بالجودة و المقاييس الأوربية، في نفس الوقت تدرك الإدارة الإسبانية أنها مهما أنجزت من مشاريع إجتماعية بالأساس لن تستطيع تفادي محدودية الوعاء العقاري مقابل تزايد النمو الديمغرافي بما يفرضه من تنامي سقف الحاجيات اليومية وتطلعات الساكنة. فبين الأمس و اليوم مسافة شاسعة تجعل حاضر ومستقبل مليلية أمام إشكالية حقيقية تؤرق بال القائمين على تدبير شؤونها و تدفعهم إلى إبداع كل البدائل للتغلب على تحدي وضعية سجن كبير من صنف خمسة نجوم.

جيل الأمس عاش في ظروف و بيئة سياسية و إقتصادية غير تلك التي يعيش فيها جيل اليوم المنفتح على محيطه إفتراضيا لكنه مغلوب على أمره بسبب واقع مفروض عليه يحاول تناسيه كلما بزغت شمس يوم جديد فسرعان ما يعود كلما أسدل الليل غطاءه، فصعب جدا على جيل اليوم أن يقتنع بجدوى هذا الوضع وهو الحامل لتطلعات لامحدودة وأحلام لا تؤمن بحدود في عالم منفتح على بعض

تلكم بعض من ملامح حاضرة غطتها مساحيق تجميل فحولتها إلى جنة لطالما سعى الكثير كي يحجز لنفسه مقعدا فيها ليكتشف كما إكتشف البعض ممن تبادلت معهم أطراف الحديث أنه وسط مدينة تتسع نهارا و تضيق ليلا، مدينة في أبهى حلة و لباس لكنها مكبلة كما روى من عاش بين أزقتها و أحياءها و ذاق حلاوة إختلطت بطعم المرارة.


في نفس الركن
< >

الجمعة 13 أبريل 2018 - 16:28 بعيدا عن السياسة