موقف محمد بن عبدالكريم الخطابي من أول دستور في مغرب الاستقلال ومدى استجابة دستور محمد السادس لهذه المواقف


موقف محمد بن عبدالكريم الخطابي من أول دستور في مغرب الاستقلال ومدى استجابة دستور محمد السادس لهذه المواقف
بقلم ذ.زكي مبارك
Zakimbarek@yahoo.fr

الدستور كلمة ومعنى: الدستور كلمة دخيلة فارسية معناها يد الشاه القوية، ولقبا لرئيس الوزراء الفرس فيقولون له الدستور الأعظم. وكذلك بالنسبة للعثمانيين بحيث كانت مراسيم وعهود وزرائهم تصدر باسم الوزير المعظم والدستور الأعظم. ولكن المعنى الذي غلب على هذه المعاني لهذه الكلمة عند كل كتبة العربية ورجال حكوماتها هو إطلاقه على نظام تأسيس الدولة في الدول المقيدة ذات الحكم الشوري يبنى عليه ولا تتعداه في كل أعمالها وسائر قوانينها.
أما في المغرب فقد تسربت إليه فكرة الدستور عندما تمكن المغامر الاسباني Doming Badia Leblich من الدخول إلى البلاد منتحلا لقب علي باي العباسي، زاعما أنه من سلالة الخلفاء العباسيين، تركي الجنسية والإسلام دينا، ليتجسس لصالح الحكومة الاسبانية ولنابليون بونابرت. بهذه الصفة كسب عطف السلطان مولاي سليمان فقربه إليه ومنحه ثقته حتى أصبح من مستشاريه الأقربين. استغل الجاسوس الحظوة السلطانية لنشر أفكار ومبادئ الثورة الفرنسية بين رجالات المخزن المتنورين ومشاييخ الطرقية والصوفية، وللإشادة بأعمال ومنجزات نابليون بونابرت في مصر. كما كان يحث المتنورين من الشعب على المطالبة "بإقرار دستور للبلاد لتحديد السلطة وتنظيم الحكم بين الحكام والمحكومين". يوضح الجاسوس في مذكرة إلى بونابرت نشاطه ومهامه في العبارات التالية: "ينبغي علي أن أوضح لجلالة الإمبراطور أنني كنت أبحث عن مختلف الوسائل والأساليب لوضع دستور في المغرب، ...كل علماء فاس أعلنوا بأن مولاي سليمان ارتكب إثما عندما رفض تطبيق الدستور وأن علي باي على حق...فكتب إلي السلطان رسالة بخط يده يأمرني بالسكوت أو الرحيل".
المشروعات الدستورية بل الاحتلال الأجنبي: إن فكرة الدستور التي تسربت إلى داخل المجتمع الثقافي والسياسي في الأوراد التي كانت تتلى في عيد المولد النبوي وبدأ المسمعون، وأهل الذكر يذكرون والجمهور يرد عليهم "دستور ا الله...دستور يا رسول الله".
من دستور الخطابي إلى دستور الحسن الثاني: كان الخطابي في قلب الأحداث والوقائع السياسية والدبلوماسية التي كانت مدينة فاس مسرحا لها في السنوات الأولى من القرن العشرين. تابع مجرياتها وتطوراتها كطالب جماعة القرويين من سنة 1902 إلى سنة 1905، وهي السنوات الحرجة التي اشتد فيها الصراع بين السلطان عبدالعزيز وأخيه مولاي عبدالحفيظ خليفته في مراكش.
عاش الخطابي بكل جوارحه أطوار هذا الصراع فكان من المؤيدين لتنحية المولى عبدالعزيز إذ كون سنة 1903 مع جماعة من طلبة القرويين "لجنة الإنقاذ" من أجل تدبير انقلاب ضد مولاي عبدالعزيز وإحلال محله مولاي عبدالحفيظ سلطان الجهاد والإصلاح والتحديث. إلا أن المحاولة فشلت، فانتقل الخطابي إلى الاستقرار بمدينة مليلية المحتلة. في هذه المدينة ستتاح له الفرصة بالاحتكاك برجال الفكر والسياسة والحرب من الإسبان والعرب والأتراك، وتتبع ما يجري في البلدان المغاربية والمشرق العربي من تحولات بحكم المهام والوظائف التي أسندتها إليه السلطات الاستعمارية الاسبانية لأسباب سياسية واجتماعية، ومن أهمها:
- رئيس تحرير القسم العربي في جريدة تلغراف الريف .
- رئيس قسم مكتب الشؤون الأهلية.
- مدرس اللغة العربية في معهد الضباط الاسبان .
- مستشار المحكمة العليا للجنايات.
- قاضي القضاة.
إن هذه المهام والأنشطة والعلاقات التي ربطها الخطابي مع شخصيات سياسية وحربية ساعدته في تكوين شخصيته فكريا، واجتماعيا، وسياسيا، وحربيا، ودبلوماسيا، هيأته لإعلان حرب تحريرية ضد المحتلين الاسبان لبلاده وحتى لا تكون هذه الحرب التحريرية شبيهة بالحركات الجهادية السابقة والتي واجهت الجيوش الاحتلالية الفرنسية والاسبانية في مختلف الجهات المغربية من الصحراء إلى الريف، حرص الخطابي على أن تحظى حركته الجهادية بدعم ومساندة أغلبية القبائل الريفية، وتقوم كذلك قومة رجل واحد، واضحة الأهداف وغاية في التنظيم والامتثال والانضباط .
ولهذه الغاية وجه الدعوة إلى حوالي ثلاثمائة من أعيان وشخصيات الريف لحضور تجمع عام عقد يوم 21 فبراير 1921 تعاهد الحاضرون على الجهاد للدفاع عن الوطن. كما عمل الخطابي على تكوين حكومة على أساس دستور مكتوب عرف بدستور جمهورية الريف. لم يعمر هذا الدستور طويلا، إذ كانت حياته قصيرة انتهت باستسلام الخطابي وزوال جمهوريته. وبذلك أجهض التحالف الاسباني الفرنسي هذه التجربة الدستورية والسياسية"...إلا أنها كالتجربة الحفيظية، نفخت الروح في نفوس النخب الواعية الجديدة، وأحيت الضمائر، ومهدت الجيل، ورسمت الاتجاهات للجيل الناهض، جيل الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية ف يعهد محمد الخامس.
إذا كانت فكرة الدستور قد ظهرت محتشمة في بيان 11 يناير 1944، فإنها ستظهر بشكل صريح في خطاب العرش لسنة 1950 حيث قال الملك محمد الخامس "أن أفضل حكم ينبغي أن تعيش في ظله بلاد تتمتع بسيادتها وتمارس شؤونها بنفسها هو الحكم الديمقراطي": ويوضح محمد الخامس المراحل التي قطعتها المسيرة الدستورية في عهده في الخطاب الذي وجهه على الشعب المغربي بمناسبة تأسيس الحكومة التي ترأسها في مايو 1960. ومما جاء في هذا الخطب بخصوص المطالب الدستوري". فبعدما كرسنا جهودنا منذ استرجاع الاستقلال لإقرار عدد من المبادئ ووضع مجموعة من الأسس التي ترتكز الحياة الديمقراطية عليها، عزمنا اليوم على أن نتوج عملنا ذاك بإنشاء نظام الحكم الدستوري الذي طالما نشدناه لبلادنا، وأشدنا به في خطبنا وتصريحاتنا في مختلف المناسبات خصوصا خطاب العرش سنة 1950، وفي خطاب العرش سنة 1955 الذي أعلنا فيه الاستقلال وعزمنا على وضع أنظمة ديمقراطية على أساس الانتخابات وفصل السلط في إطار ملكية دستورية فلن تمضي سنة 1962 حتى نكون وفينا بوعدنا ووضعنا بمشاركة شعبنا دستورا يحدد السلط وينظمها ويمكن جميع أفراد الأمة من أن يشاركوا بواسطة ممثليهم في تسيير الشؤون الوطنية، ويراقبوا أعمال الحكومات التي ستشكل آنذاك طبقا لمقتضياته". أما الخطوات التي يجب إتباعها في هذا الشأن فيوضحها الملك محمد الخامس في خطاب 18 نوفمبر 1958 بهذه العبارات "...إننا لا نبني للحاضر فقط، ولا لأبناء الجيل الحالي وحدهم، ولكننا نبني لخير الأجيال المقبلة، ونسعى بذلك لحفظ كيان الدولة وضمان وجودها واستمرارها، ولأن نتريث حتى تخرج النظم التأسيسية متقنة خير من أن نتعجل ونخرجها مرتجلة، إن الخطر الحقيقي ليس في انعدام النظام التمثيلي، ولكن الخطر كل الخطر في وجود نظام صوري يكون أداة اضطراب وهدم، لا أداة استقرار وبناء.
وعلى أساس هذا التوجه والاختيار الملكي أسس محمد الخامس بظهير غشت 1956 "المجلس الوطني الاستشاري الذي تولى رئاسته السيد المهدي بن بركة، كما أصدر العهد الملكي في 8 مايو 1958 والذي حدد فيه مكانة المؤسسة الملكية في المغرب إذ قال عنها بكل تأكيد ووضوح..." ملكية حاكمة بامتياز، وليست ملكية سائدة غير حاكمة كما هو الشأن في بعض الملكيات الغربية". فجاءت أول تجربة انتخابية جماعية وقروية في مايو 1960.
وتوفي الملك محمد الخامس دون أن يحقق أمنية من أمانيه الغالية وهو إقرار دستور للمملكة المغربية.
هذه الأمنية سيعمل على تحقيقها خلفه الملك الحسن الثاني. كان أمام الملك الشاب لوضع هذا الدستور ثلاثة اختيارات:
• مجلس تأسيسي منتخب كما تطالب به فئة من النخبة السياسية والفكرية.
• تأسيس لجنة لوضع الدستور تضم خبراء وذوي الاختصاص والتجربة السياسية.
• اللجوء إلى ما يتمتع به الملك من سلطة مطلقة تشريعية وتنفيذية، فيضع الملك الدستور بنفسه أو بواسطة حكومته مستعينا بالخبراء الذين يرغب الملك في الاستعانة بهم.
لقد فضل الحسن الثاني الاختيار الأخير: وحول هذا الاختيار يقول علال الفاسي" أسس الملك لجنة خاصة كان وزراء في حزب الاستقلال من بين أعضائها على أنها اللجنة التأسيسية، وترأسها بنفسه، وقدم لها مشروع الدستور الذي تدارسته معه، وأبدت رأيها في كل بند من بنوده حتى تم على الصيغة التي عرض عليها على الشعب في ديسمبر 1962 للاستفتاء" (معركة اليوم والغد. منشورات الحزب/صفحة 55).
لم يحظ هذا الدستور برضى وتزكية بعض المكونات السياسية والفكرية التي تتمتع بحضور قوي وشعبي في الساحة السياسية المغربية، فنظمت حملات شعبية تدعو المواطنين مقاطعته، بينما نظمت الجهات الموالية للحكم مظاهرات وحملات مضادة...فكان من نتائج هذه الحملات المضادة والحملات المؤيدة أن اندلعت في المجتمع السياسي معركة الدستور قاداها عن جانب المؤيدين للمشروع الملكي: علال الفاسي وأحمد رضا كديرة، وعن جانب المعارضين: المهدي بنبركة ومحمد حسن الوزاني وشيخ الإسلام مولاي العربي العلوي.
موقف الخطابي من معركة الدستور : من القاهرة كان الخطابي يتابع بعناية فائقة التطورات والتحولات التي تعرفها الساحة السياسية منذ فجر الاستقلال، ولايتردد في توضيح مواقفه في شأن كل مسألة أو قضية، بل وجه رسائل شخصية إلى قيادات سياسية ومسؤولين حكوميين، وعلماء ومفكرين، يوضح مواقفه في شأنها ويقترح البدائل والحلول.
بخصوص هذه المعركة الدستورية في مغرب الاستقلال، حدد الخطابي موقفه منها انطلاقا من قناعات وتجارب خاصة عاشها الخطابي، بل كان عنصرا فاعلا فيها.
عاش الخطابي أول معركة دستورية وهو طالب في جامعة القرويين من سنة 1902 إلى سنة 1905. معركة دستورية بين السلطان مولاي عبدالعزيز الذي قدم إليه الفقيه والمصلح عبدالله بن سعيد السلاوي سنة 1904 مشروعا دستوريا تظاهر السلطان عبدالعزيز بقبوله، ولكنه سرعان ما تخلى عن الفكرة، فقام تيار فكري وإصلاحي يطالب تنحيته وعزله. وتفيد بعض المصادر أن الخطابي كون سنة 1903 مع مجموعة من طلاب القرويين لجنة تحمل اسم "لجنة الإنقاذ" حاولت تدبير انقلابا ضد مولاي عبدالعزيز وإحلال محله أخيه مولاي عبدالحفيظ كسلطان للجهاد والإصلاح والتحديث كما سبقت الإشارة إلى ذلك أعلاه.
كما تتبع الخطابي من مدينة مليلية التي استقر بها معركة دستور 1906 ومعركة دستور 1908 الذي على أساسه تمت مبايعة السلطان مولاي عبدالحفيظ. استفاد الخطابي إذا من هذه التجارب الدستورية وملابساتها وتداعياتها، فنراه يوجه الدعوة إلى حوالي ثلاثمائة من أعيان وشخصيات القبائل الريفية لحضور تجمع عام لوضع اللبنات الأساسية لحكومة جمهورية الريف المؤسسة في 21 يوليوز 1921. ومن بين هذه اللبنات الدستور الذي صادق عليه هذا التجمع وعرف بدستور حكومة جمهورية الريف الذي تولى الخطابي رئاستها طبقا لمبادئ هذا الدستور ومقتضياته.
لعل هذه التجارب الدستورية التي عاشها الخطابي وكان طرفا فاعلا فيها هي التي حددت، وإلى بعيد، مواقفه من المعركة الدستورية في مغرب الاستقلال، وبالضبط من دستور الملك الحسن الثاني لسنة 1962. فما هي المرجعيات والأسس لمعارضة الخطابي لهذا الدستور؟
عارض الخطابي دستور 1962 انطلاقا من مواقفه السابقة في شأن مباحثات إكيس لبيان (AIX LES BAINS)التي اعتبرها خديعة سياسية أجهضت الثورة التحريرية المغربية وهي في عنفوان شبابها ونضجها.
عارض الخطابي دستور 1962 انطلاقا من نتائج المفاوضات المغربية – الفرنسية – التي انتهت بمنح المغرب استقلالا ناقصا ومشوها ومغشوشا ما زلت تداعياته حاضرة، وبكل قوة، في مغرب اليوم.
- عارض الخطابي دستور الملك الحسن الثاني لأن الزعيم علال الفاسي كان من المساهمين في وضعه والمؤيدين والداعين له.
- عارض الخطابي دستور 1962 انطلاقا من تجربة دستور حكومة الجمهورية الريفية وكيفية صياغته ومساهمة ممثلي القبائل الريفية في وضعه.
- كما عارض الخطابي هذا الدستور انطلاقا من قناعاته الفكرية والسياسية والدينية والتي تجلت من خلال البلاغات والتصريحات والكتابات التي صدرت عنه في هذا الشأن، ومن هذه البيانات نقدم شذرات مختارة.
مجلس الأمة لوضع الدستور: "إن الأمة المغربية ما فتئت بعيدة كل البعد عن المشاركة في إدارة شؤون لبلاد، رغما عن المشاكل الكبيرة التي تجتازها بلادنا، فلم يفكر أحد من المسؤولين في إنشاء مجلس شرعي يمثل الأمة تمثيلا صحيحا ونزيها يحل المشاكل المتراكمة، الخارجية والداخلية للبلاد...زولا يزال القانون هو المتحكم. كما يزال العلماء في سباتهم العميق ولايفكرون في واجبهم على الإطلاق، كأنهم غير مسؤولين عن شيء مما تتخبط فيه البلاد من الفوضى والفساد... فيا أبناء المغرب، عليكم إن تعلموا أنكم أنتم وحدكم المسؤولون عما جرى في الماضي وفي الحال والاستقبال...وأول شيء يجب عليكم القيام به هو إنشاء "مجلس الأمة" لحل المشاكل المتراكمة المستعجلة والقضاء على الفوضى والفساد والتي كانت السبب فيما مضى للاحتلال الأجنبي للبلاد الذي دام خمسين سنة، وما زال هذا الاحتلال قائما بكل معانيه".
لا حرية بدون دستور وطني: "...في الواقع، لم يقدر للأمة المغربية، منذ زمن بعيد، العيش وفقا نظام دستوري مناسب. ولذلك عمت فيها الفوضى، وانعدم الاستقرار وانتشر فيها التمرد والشغب. ومع مرور الزمن وتطور الحياة أخذ الشعب المغربي يعي ضرورة إيجاد دستور ينظم حياة البلاد ويرعاها. تجلى هذا الوعي بتعبير الشعب عن رأيه في الصحافة وبواسطة الكفاح المسلح. كانت المعركة الأخيرة التي خاضها الشعب المغربي لاستعادة استقلاله تعبيرا أصيلا عن توقه للحرية. ولكن لا حرية دون دستور. ليس هناك من دستور إلا الدستور الوطني الذي تضعه الأمة بنفسها ولنفسها. [...] إن الدستور الشرعي لبلد ما لايمكن أن تصيغه إلا لجنة أو هيئة منتخبة تمثل مختلف الطبقات الشعبية تمثيلا صادقا وأصيلا ".
بعض مواد الدستور تناقض والشريعة الإسلامية: صرح عبدالكريم، في معرض تحليله لمضمون الدستور الملكي لعام 1962: "بأن أحكام هذا الدستور قلما تتوافق مع التجربة الحية للشعب طيلة قرون: [...] وبعض مواد الدستور تتناقض مع الشريعة الإسلامية، عقيدة الشعب المغربي [...] فهذا الدستور يمنح رئيس الدولة حق عقد الاتفاقات وحق إعلان الحرب إلخ...مما يشكل خطرا فادحا. نحن نعل كيف قام رؤساؤنا، وما بالعهد من قدم، ببيعنا بالجملة بأرخص الأثمان لأن الدستور العرفي، المعمول به في ذلك الحين، كان يسح لرئيس الدولة أن يتصرف في شؤون الأمة وفق أهوائه ورغباته. ومن يضمن لنا أن زعمائنا لن يخونونا، حالا ومآلا كما فعلوا فيما مضى؟ لذا ينبغي أن تكون المسائل الهامة في السياسة الخارجية من اختصاص الممثلين الحقيقيين للشعب كما تنص عليه دساتير الشعوب التي تحترم نفسها ".
ضرورة تحديد سلطة رئيس الدولة: يضيف عبدالكريم قائلا في معرض حديثه عن سلطات رئيس الدولة: "وله (أي للرئيس) صلاحية تعيين رئيس الوزراء والوزراء في حين أنه يعتبر غير مسؤول. ويقضي لمنطق الصائب بأن يحدد الدستور سلفا سلطات رئيس الدولة: كان يعين مثلا رئيس الحكومة من بين الفئة التي تحظى بثقة الشعب، وأن يختار معاونيه في السلطة التنفيذية شرط أن يكون مسؤولا أمام الهيئة التي انتخبتها الأمة أي مجلس النواب. وهكذا يقطر الطريق على كل محاولة للانزلاق في مخاطرة يمكن أن تغري شخصا واحدا أو عدة أشخاص لتحقيق مآربهم الشخصية على حساب مصلحة الأمة ومستقبلها.
الدستور المصنوع للمغاربة: جاء في نداء وجهه من القاهرة إلى الشعب المغربي:
"لا نريد أن تكون أضحوكة الدستور المصنوع للمغاربة مؤخرا، موضعا للمشاحنات، أو الخلافات، وأن تكون هدفا للمنازعات والخصومات، ومحلا للجدل والمراء، بين أبناء الأمة المغربية.
"فما دامت الأمة المغربية أمة مسلمة تدين بدين الإسلام الحنيف، وما دام في البلاد من يفهم هذا الدين والحمد لله، فمن السهولة بمكان أن نجد الحل الصحيح لكل ما يعترض سبيلنا في حياتنا الاجتماعية، بدون اللجوء إلى التحايل، وإلى الخداع والتضليل".
"..إن التنصيص في هذا لدستور المزعوم على (ولاية العهد) ما هو إلا تلاعب، واستخفاف بدين الإسلام والمسلمين، إذ كلنا نعلم أن مسألة الإمامة نفسها كانت دائما موضع خلاف بين علماء الإسلام منذ زمن بعيد، وما ذلك إلا لعدم وجودها في القانون السماوي، هذا في الإمامة، وأما في ولاية العهد فلا خلاف أنها (بدعة) منكرة في الإسلام، وكلنا يعلم أن مؤسسها معروف، ونعلم من سعى في خلقها في ظروف معينة، ولغاية معلومة، فإذا كانت مخالفة للشرع الإسلامي فلا محالة أن تكون موضع (تهمة)، ويقول إمام المذهب مالك بن أنس رضي الله عنه: "ليس من طلب الأمر، كمن لا يطلبه" وذلك لأن الطلب يدل على الرغبة. والرغبة تدل على (التهمة) وعدم الطلب يدل على الزهادة والنزاهة.
"ثم إن ولاية العهد إذا كانت مفروضة قسرا، فلا تلزم المسلمين، إذ من المجمع عليه أن كل بيعة أو يمين كانت بالإكراه تكون باطلة.
"...إذا كانت الأمة المغربية مسلمة، فلا بد لحاكمها المسلم أن يكون مطيعا لله، وبالخصوص فيما بينه وبين الأمة المسلمة، وعليه أن يستشير المسلمين في كل الأمور، عملا بقوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم). وبقوله في آية أخرى (وشاورهم في الأمر) فأين نحن من مضمون هاتين الآيتين الكريمتين، وكيف نوفق بينهما وبين من يريد الاكتفاء بالتحايل وخداع الأمة في أمر الشورى وغير الشورى؟
"...لا شك أن التهمة موجودة وواضحة بأن هذا الدستور المزعوم، وكلنا يعلم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمر باستشارة جماعة المسلمين، رغم كونه صلى الله عليه وسلم مؤيدا من عند الله بالوحي، ومعصوما – والله يعلم عصمة نبيه وحبيبه ومع ذلك أمر، بأخذ رأي الجماعة، وذلك للتسنين.
"...فالحاكم المسلم بمقتضى الآيتين مأمورا أمرا وجوبيا باستشارة الأمة من غير أن تطالبه بها، فكيف بحاكم يريد أن يخدع الأمة، في الوقت الذي تلح هي في طلب الاستشارة؟ لقد نادى المغاربة بالدستور بعد أن فقد العدل، وبعد أن سيطر الجور والظلم والطغيان، ظنا منهم أنهم سيجدون (العلاج) في الدستور، فإذا بهم أمام كارثة أخرى أدهى وأمر مما سبق...

خلاصة:
ظلت وضعية المغرب خلال معركة التحرير الوطني وفي فجر الاستقلال تشغل فكر وبال بطل الثورة الريفية المجاهد محمد عبدالكريم الخطابي.
هذا الانشغال والاهتمام ببلاده ووطنه وشعبه حتم عليه أن يظل وفيا للمبادئ والطموحات التي كافح من أجلها، والمتجلية أساسا في مغرب موحد، ومستقل، كل الاستقلال، تسوده ديمقراطية حقيقية، وعدالة اجتماعية، مغرب يعامل فيها لمغاربة كمواطنين لا كرعايا، مغرب يكون القلب النابض لوحدة مغاربية تواجه التحديات والإكراهات المختلفة. فهل كانت بيانات الخطابي وتوجهاته الهادفة وتحذيراته الصائبة صرخة حق، ونداء ضمير، أم مجرد صيحة في واد؟.
فإلى أي حد استجاب دستور محمد السادس إلى بعض مطالب الخطابي الدستورية، وإلى أي حد سيقود ثورة باردة من الأعلى ضد جيوب المقاومة، ولوبيات الفساد، والمنافقون، والانتهازيين الجدد ليجعل من "مملكته أحسن جمهورية".



1.أرسلت من قبل muhand في 17/03/2011 18:05
Je ne suis pas sûr qu'un jour au Maroc, nous aurions un homme d'état du calibre du Mulay Muhand, visionnaire et genial!!