وجهٌ مِن الناظور (11): الراحلة سميرة الفيزازي


بقلم:عبد المنعم شوقي.



دأَبْنا في الحلقات السابقة التطرق لعدد من علمائنا و مشايخنا و فقهائنا الذين أفنوا حياتهم مناضلين في سبيل نشر الدين و العلوم، و في سبيل الدفاع عن قضايا الوطن و المواطنين. و لعل العامل المشترك بينهم جميعا أنهم كانوا رجالا بصيغة المذكر.. و عليه، فقد ارتأينا اليوم أن نخصص حلقة بصيغة المؤنث اعترافا منا بما قدمته المرأة الناظورية أيضا بكل نكران للذات، و عبر العديد من الأسماء التي سيحفظ التاريخ لهن مسارهن الحافل بالنجاحات.
وجهُ اليوم أيها الأصدقاء هي الراحلة العزيزة سميرة الفيزازي أو كما يُطْلق عليها الجميع “سيدة الطقس”.

ولدت سميرة الفيزازي و نشأت في مدينة الناظور، وسط أسرة محافظة مكونة من خمسة أفراد من بينهم ابن واحد. كانت سميرة هي أول العنقود والقاطرة التي تقود باقي الأشقاء. في الناظور تابعت تعليمها الابتدائي والثانوي، قبل أن تقرر دخول المحراب الجامعي خارج الريف حين شدت الرحال إلى العاصمة الرباط لطلب العلم دون أن تفرّط في وصايا والديها وحكماء أسرتها الذين ساندوا رحلة شابة عاشقة للتلفزيون. كانت تعليمات الأب صارمة لأنها صادرة عن رجل سلطة لا يقبل بغير التنفيذ المعجل لقراراته و التقيد بقيم و مبادئ الأسرة.
حين دخلت سميرة الفيزازي مقر التلفزيون المغربي في منتصف الثمانينات، كانت تمني النفس بصفة مقدمة أخبار، لكنها قررت أن تصعد من أسفل الدرج، بعد أن اشتغلت محررة تغرس رأسها في قصاصات الأنباء.. لكن، وضد كل التوقعات المهنية، قادها القدر نحو تقديم نشرة أحوال الطقس سنة 1984 بعد مرض طارئ لإحدى مقدمات هذه الفقرة التي كانت تتابعها سميرة بحماس، خاصة حين كان أمرها موكولا للفنان عزيز الفاضيلي.
وقع الاختيار إذن على سميرة الفيزازي لتقديم نشرات الأحوال الجوية، وأصبحت متابعة للنشرات الأجنبية للوقوف على أهم مستجدات تقديم هذه الفقرة التي تشد اهتمام المتلقي خاصة أثناء ارتفاع صبيب التساقطات المطرية، أو حين ينحبس الغيث، فيتجمع الناس حول النشرة أملا في الانفراج.

استأنس المغاربة بالوجه الحسن لسيدة الأرصاد الجوية، واعتبروها فأل خير على البادية حين تبشر الناس باقتراب «سحب محملة بالمطر»، كما عرفت بين زملائها في العمل بالصبر والجدية و الإخلاص.
بعد ظهورها على الشاشة، لفتت سميرة اهتمام المهندس عبد العالي الزروالي، الذي سيقرر مفاتحتها في موضوع زواج ضد كل التوقعات، خاصة أن خريج المدرسة المحمدية للمهندسين لا علاقة له بالوسط المهني ولا يتقاسم مع سميرة إلا الرغبة في تكوين عش الزوجية.
كانت نقطة الالتقاء الوحيدة بين الفيزازي والزروالي هي الماء.. فمقدمة النشرات الجوية كانت تقضي سحابة يومها في انتظار الغيث والماء، بينما كان زوجها يرابط في مختبر المكتب الوطني للماء الصالح للشرب وهو يحلل ويتفحص صبيب المياه، لذا ظل كل طرف يمد الآخر بما جد في عالم الماء.
تم الزواج، و رزق الزوجان بلينا و آية.. و هما ابنتان تألقتا في مجال دراستهما بفضل التربية الفضلى التي تلقياها.. إذ رغم انشغالات الزوجين فإنهما لم يترددا في مسك خيوط التربية، إيمانا منهما بأن أمن المجتمع مرتبط ارتباطا وثيقا بأمن الأسرة التي تُعتبر النواة الأولى لأي نهضة مجتمعية.

واصلت الراحلة تقديم النشرات الجوية لمدة 28 سنة أي إلى غاية 2012، لتبدأ مرحلة صراعها مع المرض الذي ألمَّ بها. فقد ظلت بفضل رضاها بالقدر قوية متماسكة متسلحة بالإيمان.. و لم تكن تفارقها الابتسامة حتى في أيامها الأخيرة.
كانت الراحلة إلى جانب عملها الرسمي تهوى فنون الطبخ و قراءة المؤلفات، و كانت لصيقة بعدد من الجمعيات التطوعية التي تهتم بأحوال و شؤون الأطفال.
وفاتها شكل صدمة قوية لكل المغاربة الذين تعلقوا بها و بصوتها الشجي.. و قد نَعاها كل المشاهير و الفنانون، فقالت زميلتها فاطمة الإفريقي في تدوينة وداع: : « وداعا سميرة .. أحبك ، لا ادري هل قلت لك ذلك يوما ؟ او ربما لم أقلها بالكلمات ، لكني اعرف انك لمست ذلك بحسك الإنساني العالي في لقاءاتنا القليلة هنا او هناك في ممرات القناة الضيقة ..احبك وحزينة لرحيلك.. رحمك الله”.
رحمَ الله سيدةَ الطقس الأولى.. و بشَّرها بالجنة مثلما كانت تبشرنا بهطول المطر.. و حفظَ الله ذريتها بما حفظ به الذكر الحكيم.




1.أرسلت من قبل himimmii@gmail.com في 16/05/2020 16:45 من المحمول
سميرة ابنة مدينتنا لم ننساها ولن ننساها أبدا.كانت الوجه المشرق ومثال المرأة الدؤوبة.

تعليق جديد
Twitter