وجهٌ مِن الناظور (14). الراحل فضيلة الحاج أمحمد أمغار بن علي.



بقلم: عبد المنعم شوقي.

لقد عرفت الناظور عبر تاريخها أيها الإخوة الكرام مجموعة من القضاة الذين كانوا يعتبرون بحق مراجع يُنهَل من ثرواتها القانونية و العلمية.. فقد كان لهم الفضل الكبير في وضع أسس القضاء بالمنطقة.. و منهم على سبيل المثال لا الحصر الحاج أحمد ابي علي فليل.. الحاج برو.. الحاج محمد أشركي.. الحاج أمحمد أمغار بن علي.. الحاج شعيب الادريسي.. الحاج العربي الورياشي.. الحاج محمد العوفي.. الحاج مصطفى الحنفي.. الحاج محمد ابريغش.. الحاج عبد السلام المرابط.. عبد الرحمن التوزاني.. الحاج السي حمو أحمد.. الحاج محمد بن عبد الله.. الحاج عمر عيسى.. الحاج حسين علال دودوح.. وغيرهم من القامات القضائية التي شرّفتنا بغزارة علمها و جميل خصالها و حميد تواضعها. و إن شاء المولى عز و جل، فإننا سنأتي عليهم واحدا تِلو الواحد لنستحضر أرواحهم الطاهرة، و نكتبَ و لو نزْرا قليلا عن سيرتهم المعطاءة.



ضيف الليلة إذن من ركن "وجه من الناظور" هو أحد هؤلاء الشرفاء العظماء.. و يتعلق الأمر بفضيلة الحاج أمحمد أمغار بن علي تشير السجلات التاريخية إلى أن الحاج السي أمحمد أمغار بن علي ولد سنة 1332 هجرية، الموافق لعام 1914م.. بينما سُجّلَت وفاته بتاريخ 5 رمضان 1396 هجرية الموافق ل 31 غشت 1976 ميلادية. هو ابن الفقيه السي علي الذي كان قاضيا للناحية و قاضي قضاة منطقة شمال المغرب (من الناظور الى شفشاون)، و الذي اعتزل القضاء ليتفرغ للعلم و العبادة.

درس الراحل بجامع القرويين بفاس، ثم التحق بمدينة الناضور كقاضي سنة 1961. عُرف عنه اهتمامه الشديد بمقاصد الاحكام القضائية.. فكان يأخذ بعين الاعتبار أحوال و ظروف المتهمين العامة مما أعطى لأحكامه بعدا اجتماعيا. أما جلساته، فكانت تعرف حضورا منقطع النظير لسكان المدينة مما يسبب اكتظاظا دائما دفع بالكثير إلى تشبيه قاعة محكمته بقاعة السينما.



لقد كان رحمة الله عليه لا يعتبر مهنة القضاء علما و معرفة بمجموعة من الأحكام والنصوص القانونية والشرعية المكتوبة في الكتب فقط، بل كان يعتبرها نوعا من أنواع الصناعة.. فكان دائما يقول بأن القضاء مهنة تُزاوج بين العلم و الصناعة بمعنى أنها زيادةً عن المعرفة، فهي تمتاز بالموهبة و الفراسة في ممارستها. و بناءا عليه، فقد كان الفقيد يمتاز بفهمه وتشخيصه للمتهمين والمدعين.. و هي موهبة مُنِحت له من عند العزيز الحكيم، وتوفيقٌ أغدقه الله عليه لسعيه المخلص وراء الحق و العدل.

و بناء على برنامج وزارة العدل، فقد كان الراحل يقوم أيضا بجلسات في القرى و البوادي المجاورة لمدينة الناظور، والتي لا تتوفر على محاكم.. فكان يتنقل يوميْن في الأسبوع ليحكم بين الناس حيث يخصص يوم الأربعاء تارة لبني سيدال و تارة أخرى لأركمان.. أما الخميس فكان يخصصه لكل من رأس الماء و زايو. و حتى بعض أيام الأحد، فقد كان يقوم بالمهمة دون كلل او ملل ببني شيكر.


كان الفقيد معروفا عند الناس ببره و تقواه، و بأن دعواته تلقى الاستجابة إلى درجة أن كل من عاشره كان يخشى إغضابَه لكيلا يمسسه سوء من دعوته.

وجه الليلة أيها الأحبة كان نموذجا للأخلاق والمُثُل العُليا..و كان فعلا شخصية نابغة و فَذة يُقامُ لها و يُقعَد.. مثله في ذلك مثل الذين سبقوه من القضاة الذين يشع النور من وجوههم.. لن ينساه كل من عاصروه و هو يُطِل عليهم بجلبابه الذي لا يفارقه مِن مقر سكناه في المكان الذي شيدت فوقه عمالة الناظور بالكورنيش.. و عزاؤنا في رحيله انه خلَّف ذرية صالحة من أبناء و بنات و أحفاد و أصهار..
رحِم الله الفقيد الحاج السي أمحمد أمغار بن علي و ألْحقه بسلفه الصالح من الصِّديقين و الصالحين.. و جمعَه مع الأخيار في جَنة الأبرار.



تعليق جديد
Twitter