وجهٌ مِن الناظور (17): الفقيدة لالة فاطمة لنجري


بقلم: عبد المنعم شوقي.

و أنا أبادر لكتابة أسطر حول وجه اليوم، قلت في نفسي إن ما يكفيني فخرا و يُرضي قلبي وضميري هو أني أستحضر في هذه الحلقة وجها نسائيا يجمع فضائل الخُلق و المواظبة و المثابرة و الوفاء لرسالة التعليم والتكوين والتربية.
هكذا وجبَ علينا أن نُقَدر الناس حقّ قدرها مصداقا لقول رسولنا الكريم: (أَنزِلوا الناسَ مَنازلَهم).

وجه اليوم أيها الإخوة الأعزاء مُزيَّنٌ باسم الأستاذة الراحلة لالة فاطمة لنجري.. تلك المرأة التي شَرفت الاقليم والوطن.. أو تلك العظيمة من نساء العلم اللواتي قدمن الكثير و الكثير في مجال التربية و التدريس و التكوين.
وُلدت الراحلة لالة فاطمة لنجري سنة 1925 بمليلية المحتلة حيث كانت البنت الثانية للفقيه الأنجري الذي اشتغل بالعُدول سنوات 1919 و 1920 إلى 1923، و ذلك حين كان محمد بن عبد الكريم الخطابي قاضيا مقيما بمليلية المحتلة و جدي هو العادل هناك. و قد شغِل والدها أيضا مهمة أمين الجمارك بديوانة ماري واري بعد تعيينه من لدن وزير المالية في حكومة تطاوين في عهد الحماية الاسبانية.

هكذا إذن درست لالة فاطمة لنجري علوم القرآن و الفقه على يد أبيها الفقيه رفقة الراحل الحاج احميدو أحد واضعي أسس العمل بعمالة الناظور، والذي سنعود إليه في حلقة خاصة، بالإضافة إلى اخيهم سي محمد. بعد ذلك التحقت الراحلة بالتعليم في الناظور، فزاولت التدريس في غضون سنة 1958 بمدرسة ابتدائية كانت تُسمى المدرسة الصناعية، و تتواجد قِبالة مدرسة سيدي على تيمكارت من الواجهة الأخرى حيث تتواجد مؤسسة للتكوين المهني على ما أظن.. حاليا لا أعرف مصير هذه المدرسة، و لكني أتذكر أن إدارتها كانت في يد سيدة إسبانية. و بعد ذلك انتقلت الفقيدة للعمل بمدرسة الحي المدني( بوبلاو ) و التي كانت تسمى بمدرسة تيمكارت.

وجهٌ مِن الناظور (17):  الفقيدة لالة فاطمة لنجري
تزوجت الراحلة بالسيد محمد اليونسي الذي كان معلما كذلك.. و أنجبت منه خمسة صِبية بين الذكور و الإناث.. الأبناء الذكور الثلاثة هم الأستاذ عبد القادر اليونسي الذي يعمل قاضيا، والسيد عبد الإله اليونسي عميد للشرطة و أستاذ في مدرسة تكوين الشرطة بالقنيطرة، و أخيرا المصطفى اليونسي الأستاذ في سلك التعليم كذلك.

كانت الراحلة لالة فاطمة حافظة للقرآن و متمكنة من اللغة العربية.. كما كانت أيضا ذات شخصية قوية تتمسك بلثامها و دماثة أخلاقها في التواصل و نشر قيم العلم و الفضيلة.

توفيت المرحومة في مدينة تطوان سنة 1995 عن عمر يقدر بسبعين سنة، و دفنت هناك أين دُفن أيضا زوجها رحمة الله عليهم جميعا.. بينما لازال ابناؤهما كلهم قاطنين بنفس المدينة إلى حد الآن.

و أنا أحرر هذه السطور أيها الأحبة، فإني أُشْهد الله أن هذه المرأة كانت خلوقة و مثابرة.. فقد اعتادت الصبر وهي تجاهد بعلمها وتُكون الاجيال تلو الأجيال..

لالة فاطمة لنجري كانت مرحلة مهمة تخرّج على يديها الكريمتين أعداد و أفواج من الأطر و المثقفين و حملة العلم.. فقد أفنت عمرها من أجل ايصال رسالة المعرفة إيمانا منها بأن الوطن لن يتقدم ولن يخطو خطوات الى الامام بدون تعليم ناجع و فعّال.

وجهٌ مِن الناظور (17):  الفقيدة لالة فاطمة لنجري
نالت رحمة الله عليها وسام العرش العلوي سنة 1979 اعترافا لما بذلته من جهد و عطاء في ميدان التعليم بالناظور، و امتنانا لكل ما قدمته من تدريس و تربية على القيم النبيلة.

و لا ننسى كذلك انها كونت و علمت الكثير من نساء المدينة، و أذكر من بينهن الاستاذة الجليلة ونجلة عالمنا الجليل الراحل سيدي الحاج عبد الله الصقلي، و هي الأستاذة المقتدرة نعيمة الصقلي.

و لعل فقيدتنا الأستاذة لالة فاطمة لنجري هي واحدة ممن قال فيهم
رسول الله صلى الله عليه و سلم: إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا..
فرحمةُ الله عليكِ أيتها الفقيدة العزيزة.. و جزاكِ الله خيرا عن كل الأجيال التي زرعت فيها جميل الفضائل و حميد الشمائل.


تعليق جديد
Twitter