.. ومن اللعب ما أهلك


.. ومن اللعب ما أهلك

مصطفى حيران:


إنها رسالة واضحة جدا: أيها الصحافيون، يٌمكننا أن نذهب إلى أقصى أمد، قد لا تتصورونه.

صاحب هذه الرسالة "الفرعونية" أتبع التهديد بالتنفيذ السريع، حيث اقتيد الصحافي إدريس شحتان إلى السجن، على دأب أقدم قاعدة ذهبية، في أدبيات الحروب: اضرب عدوك بقوة من حيث لا يحتسب.

مهلا، هل نحن في حرب حقا؟ وهل تجري بين أعداء فعليين، أم افتراضيين؟ الواقع أن الحسم في ذلك، يبعث على السخرية، ومع ذلك فإن"حيحة" المخزن الضروس الحالية، لا تقل عن حرب، إن لم نقل إنها أفدح، فهناك مَن وصفها بـ "الغزوة" كما فعل قيدوم المهنة "مصطفى العلوي" صاحب جريدة "الأسبوع".. ويتسع حجم الاستغراب، حينما نستعرض الوسائل البشرية واللوجيستيكية، المُستعملة من طرف رجال المخزن النافذين، في حربهم على بضعة صحف وصحافيين، أما القانون، فقد تم وضعه في خزائن الذخيرة، حيث يعلوه الغبار. "المُحاربون" اعتبروه ـ أي القانون ـ سَقَََطُ متاع لا يُفيد في شيء، بقدر حاجتهم إلى وسائل الردع الثقيلة، من قبيل الإستنطاقات الماراطونية، في أيام رمضانية، ومُحاكمات شكلية، وحجز ومنع جريدة، وصولا إلى إيداع صحافي السجن.

لم أجد وصفا أبلغ لهذه المهزلة، مما كتبه الصديق والزميل"جمال بودومة" بطريقته الساخرة الذكية، لنستمع إليه: "فين باغيين يرجعوا بينا هاذ خوتنا فالله؟ واش كاين لفوق شي ناس بعقلهوم، ولا لبراهش كيلعبوا بالتيليكومند؟".. حينما نصل إلى هذا المستوى، من التعاطي مع أحد ملفات الشأن العام، أي الصحافة، فإنه لا يبقى أمامنا سوى الترحم على حال هذا البلد. ليتصور المرء أنه يقف حُيال أُناس يخلطون "لعرارم" مدفوعين بنزوات شخصية، حيث يتساوى عندهم الألف والعصا، فيُسارعون إلى إشهار الضرب في وجه الحرف. فما الذي سيحدث مع ملفات أخرى تدبيرية، أكثر دقة وخطورة؟ يجبُ أن يكون المرء مُغفلا حقا، حتى لا يُلاحظ أننا ندور في حلقة "لعب" سنُؤدي ثمنها غاليا، بلا أدنى شك. فكما يحدث حينما يكون المطلوب وضع الملح أو السكر، في أُكلة أو فنجان قهوة، فتُعمى الأبصار عن قصد، ليوضع العلقم، تكون نتيجة الهلاك حتمية.

فِعْلُ سَاسَ واشتقاقه يَسُوسُ، ظل دائما موضوعا لانشغال المُنشغلين، وتفكير المُفكرين، وحارت في متاهات تعريفاته وتطبيقاته، أرقى العقول وأدناها، على السواء، ولم يتم أبدا إيلاء أهمية لنوع ناشز من أصحاب العقول الرَّعْنَاء، الذين "يقفزون" فوق جسد السياسة الشديد الحساسية، ويُحيلونه إلى شلو مثخن بالكدمات، نَهْباً لأعين المُتفرجين، وسخرية الساخرين.

كان ثمة ألف طريقة وطريقة، لإنهاء حالة التوتر "المُفتعلة" بين السلطة والصحافة؛ المُفتعلون، ليسوا سوى أولئك الذين "تعلموا" كيف يهتبلون الفُرص، ومنها أننا ما زلنا في مغرب اليوم، نعيش وضعا استثنائيا، يُراد له التأبيد، ومن ذلك ألا تُحل كل المشاكل المستعصية، إلا بطريقة: "ادخل سوق راسك ولا نخلي دار بوك".. وهي "تقنية" كما تعرفون، بنت ماض غير بعيد، قيل إنها من سلالة "سنوات الرصاص".. وبالرغم من أن هذه التقنية أفضت إلى الباب المسدود، وخسائر تندكّ من هولها الجبال، اللهم إذا اعتبرنا حال التردي الذي توجد عليه أهم الأوراش المجتمعية، وعلى رأسها المشهدان الاقتصادي والسياسي... إلخ "مكاسب" لمغرب اليوم والغد، وفي هذه الحالة فإنه يجب أن نضع يقينا صارخا أمامنا: ليس وراء دفة قيادة الأمور مَن يأبه لحال ومآل البلاد والعباد.